#dfp #adsense

الرئاسات الثلاث إمّا تكون توافقية أو لا تكون

حجم الخط

يشكّل التوزيع الطائفي على الرئاسات الثلاث جزءا لا يتجزأ من التوازنات القائمة بين المجموعات اللبنانية، هذه التوازنات المجسدة أيضا في مجلسي النواب والوزراء على قاعدة التساوي بين المسيحيين والمسلمين، الأمر الذي يفترض تلقائيّاً أن تعبّر الرئاسة الأولى عن حساسية الشارع المسيحي على غرار تعبير الرئاستين الثانية والثالثة عن حساسية الشارعَين الشيعي والسني، وأيّ مقاربة أخرى تعني انتقاصاً من الحضور المسيحي على مستوى السلطة، لأنّ المعادلة واضحة إذ إنّ ما يصحّ على السُنّة والشيعة ينسحب على الموارنة والعكس صحيح، وذلك ريثما يُصار إلى تطوير اتفاق الطائف باتجاه إرساء نظام المجلسين والشروع في إلغاء الطائفية وفق المادة 95.

فرئيس الجمهورية بهذا المعنى يجب أن يعكس وجهة نَظر مسيحية وازنة، أي أن يكون صاحب حَيثية تمثيلية أو معبّراً عن تطلعات شريحة واسعة من المسيحيين التي لا يجوز تغييبها بحجّة أن الرئيس يفترض أن يكون على مسافة واحدة من اللبنانيين، لأنّ هذا المنطق يعني إخراجا للمسيحيين من المعادلة الوطنية وتحييدهم عن مجرى الأحداث، فيما يفترض بالجماعة المسيحية أن تكون رأس حربة في الدفاع عن قيَم الجمهورية اللبنانية المتمثلة بالسيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية والتعدد والتنوع، وهذا أقله الدور الذي أدّته تاريخيّا وجعلها طائفة مميزة. وبالتالي، فإنّ الخروج عن هذه القاعدة يقضي على تميّزها، الذي كان إنشاء لبنان ثمرة من ثمراته، ويحوّلها من جماعة أصيلة وشريكة إلى أقلية باحثة عن حماية، الأمر الذي ينقلها من الطائفة السيادية بامتياز إلى الطائفة التي تشكّل المعبر والغطاء لانتهاك السيادة، والدليل الحالة العونية بتغطيتها لسلاح أقلّ ما يقال فيه إنه ميليشياوي، فيما هو يشكّل إهانة لسلاح الميليشيات الذي انوَجَد حين غابت الدولة وسُلّمَ مع عودتها.

أمّا القول إنّ رئيس الجمهورية هو "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن ويسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان(…)" فيجب أن يكون فوق الانقسامات والتمحورات، هو قول يفتقد إلى الدقة والموضوعية، لأن احترام الدستور واستقلال لبنان ليس من اختصاص فريق من اللبنانيين، إنما يفترض أن يكون من أولويات اللبنانيين كلهم، وبالتالي لا يجوز إطلاقا استثناء فئة على قاعدة أنها صاحبة موقف ورأي ومشروع وقضية، بل يجب الفَصل بين دوره في تطبيق الدستور وبين موقفه، فضلاً عن أنّ هذا الكلام يحمل في طياته انتقاصاً من موقع رئاستي المجلس والحكومة ووطنية الرئيسيين الآخرين من زاوية أنّ انحيازهما لا يقدّم ولا يؤخّر…

ومن ثم أين وكيف يُصرف تكبير دَور الرئيس بجعله "حَكماً ورمزاً لوحدة الوطن"؟ إلّا إذا كان المقصود تحييده عن المشهد السياسي، وهذا على الأرجح، فضلاً عن أنّ المؤتمن على الدستور يجب تمكينه وتعزيز صلاحياته، وهذا غير مطروح كون المطلوب تطبيق الطائف لا تعديله، وبالتالي جُلّ ما هو مطلوب أن تكون الرئاسة الأولى جزءاً من اللعبة والدينامية السياسية في البلد، وأن تمارس دورها وفق ما أناطه لها الدستور من صلاحيات، وأن ينظر إليها المسيحيون باعتبارها الضامنة لدورهم وحضورهم وحقوقهم على غرار الرئاسات الأخرى بالنسبة إلى السُنّة والشيعة.

أمّا وبعد، وليس انحيازا لـ14 آذار، إنما الحقيقة يجب أن تقال إن هذه القوى هي "أمّ الصبي" في البلد وحارسة الهيكل والمدافع الأوّل عن الجمهورية بسيادتها واستقلالها ودستورها وميثاقها التعايشي. فيما الطرف الآخر، الممثّل بـ8 آذار، قرّر من تلقاء نفسه الانحياز إلى الباطل وانتهاك السيادة وضرب الدستور والإخلال بالعيش المشترك. وبالتالي، فإنّ مواجهة هذا الفريق للحؤول دون فوزه نيابيّاً ورئاسيّاً هو واجب وطني ومهمة مقدسة.

وإثارة هذه المسألة ليست موجهة ضد الرئيس سليمان الذي أثبت في محطات عدة، على رغم اختلال التوازن لمصلحة الفريق غير السيادي، بأنه يستحيل أن يفرّط بالأساسيات، ويسجّل له أنه كان من أوائل الداعمين للربيع العربي، إنما موجهة ضد النائب ميشال عون ومَن معه على قاعدة "يا غالب يا مغلوب"، أي إمّا أن تفوز 14 آذار بالنيابة والرئاسة معاً وإما العكس، ولكلّ حادث حديث.

ويبقى أن الرئاسات الثلاث إمّا تكون توافقية أو غير توافقية، ولكن أن تكون توافقية في الأولى وغير توافقية في الثانية والثالثة، فهذا الأمر لم يعد مستحسناً. فتجربتَا سليمان وميقاتي مشجعتان، إنما غير مكتملتين، واستكمالهما شَرطه الأساس تعميمهما والتوافق على اعتمادهما أو اعتماد عكسهما، إنما المهم توحيد المعايير…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل