#adsense

عون.. الضارب على “حافر” الكلام

حجم الخط

كطائر غارق في السواد يطل رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" الجنرال ميشال عون، من على أطلال أحلامه، متحدّياً وشاتماً ومتّهماً ومتوعّداً ومتهجّماً.. رافعاً إصبعه بوجه كل من لا يذعن "لِوَلوَلَته". وقد يكون صعباً على أي سياسي أن يجمع بين النجاح والفشل في وقت واحد، بينما يشهد الجميع بأن عون حقق فوزاً كاسحاً في تمثيل النقيضين: نجح في لغة السباب والتهديد والوعيد وفشل في لغة السياسة وخطة التفرقة وبث الخراب والشر واللعنة! وصراخ عون على منابر "التيار" الذي يرأسه لم ينفعه في الوصول الى أي من أهدافه.. فبعدما استهدف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وجّه أصابعه الى رئيس الجمهورية ورئيس "جبهة النضال الوطني" من دون أن يتمكن من إستمالة أي منهما.. فالأول متمسك بتطبيق القوانين والدستور والثاني متصالح مع أهالي الجبل برعاية الكاردينال نصرالله صفير..

ففي مناسبات مختلفة في الأسبوعين الأخيرين، يطل عون على اللبنانيين حاملا كل ما "استطاع حمله" من علامات الشؤم والنحس كأنما يريد أن يبشّر بوقوع مكروه، منبئاً بشرّ وباعثاً على الخوف.. وفي كل ذلك يستعمل رجاله من نواب ووزراء حتى لأمكن تشبيههم برسل "النحس" و"قوم الشؤم". كلهم يتكفّلون بتناقل لغة السباب والشتائم ولم يتبيّن حتى الآن سوى أن "القوم" رسموا خطة محكمة قوامها هدفان، الأول فناء لبنان وخرابه وتفريق أهله ورحيلهم عن أرضه من خلال الحروب الأهلية العبثية التي لم ترو غليل جنرالهم المستلط بعد. أما الهدف الثاني، وهو الذي لم يحسب له الجنرال أي حساب كونه "مستقتل" منذ 20 سنة على "احتلال" كرسي الرئاسة الأولى، فيمكن تلخيصه في أن شعبية تياره تتأكّل لا سيما في المتن وكسروان، كما أشارت المعلومات والإحصائيات. ألم يدرك الجنرال بعد أن زمن الحروب قد انتهى وأن صفحة "دسّ" سموم الطائفية والمذهبية قد ولّت الى غير عودة؟ لماذا يرفض الجنرال أن يصدق أن اللبنانيين سئموا سياسة التفرقة وأن المصالحة في الجبل وتماسك أهله من كل الطوائف والأحزاب "ختمت" الجراح ونشرت اللحمة بينهم وزادتهم ثقة بأن لبنان لن يعود الى زمن "حرب الإلغاء وحرب التحرير"؟.

يتلذذ الجنرال في تعكير صفو الآخرين، غير أن حظه عاثر وقد فاته أن "الكرنفالات" العبثية التي يقوم بها ستزيد اللبنانيين تماسكاً.. فعلاً إنها "آخر الدنيا" أن يستمع اللبنانيون الى الجنرال يرمي أحقاده يمنة ويسرة وهو يسعى الى تأليب حزب على آخر وتقليب طائفة على أخرى.. لكن ما سينقلب على أرض الواقع هو معادلات الإنتخابات في العام المقبل لأن كل اللبنانيين سيصرخون بصوت واحد "الشعب يريد تغيير النظام". لن ينسى اللبنانيون أبداً أنه في عصر ربيع العرب عاشوا خريف الفساد وعلى رأسه جنرال الحروب. ولن ينسى اللبنانيون أن الأخير وجّه إصبعه الى رئيس الجمهورية وهدد شخصيات إستقلالية من قوى 14 آذار. لن ينسى اللبنانيون أن الجنرال الذي يهدّد ويتوعّد ناقم على السلم والسلام، ما أعطاهم فكرة عن ماهية التيار العوني وعن ملامح الدولة العونية التي تثور تارة وتلتزم الصمت طوراً، كما حصل في جلسة مجلس الوزراء أمس الأول. بالطبع لم يصمتوا خجلاً، لأن الحياء لم يمنعهم من الجلوس إلى طاولة واحدة مع رئيس الجمهورية بعد مهاجمته.. لكن ربما الإيحاء من حزب السلاح ومن سوريا بالكلام لم يصدر! غير أن هجومات التيار العوني ستزيد تفسخ الحكومة الحاضرة-الغائبة وتجمّد عمل مجلس الوزراء جلسة بعد جلسة والأهم أن رئيس الجمهورية وضع النقاط على الحروف.

"طفح الكيل". فمثير النعرات الطائفية والمسيئ الى موقع رئاسة الجمهورية لن يكون يوماً الرجل الأول في لبنان.. فالدهر علّم اللبنانيين ما لم يتعلمه عون نفسه، أن "الدولة العونية" متأصلة في المعارك الوهمية، والمغامرات التدميرية والتهجيرية، تغرّد خارج سرب الربيع العربي واللبناني، قوامها الشحن المذهبي والطائفي. وقد لقّن عهد الجنرال الفاسد كل اللبنانيين أن الإنتساب الى تياره تحكمه شروط يمكن إختصارها في لاأخلاقية التعاطي مع الشريك في الوطن وإزدواجية الآراء، ورمي الناس بالباطل، و"سورنة" القرارات اللبنانية على قياس "جزار دمشق" ونظامه.. هل هذا ما يريده اللبنانيون؟

حبّذا لو يصطحب وزير الطاقة جبران باسيل كل وزراء "التغيير والإصلاح" معه في سفره غدا.. هذا ما يتمناه اللبنانيون. كلهم يريدون العيش بسلام في وطن الرسالة، في جبل المصالحة وأم الدنيا بيروت وفي كل بقعة من بقاع لبنان المسالم.. البلد لا يحتمل الخطاب المتوتر، ولا الشخصية المتجذرة في "الأنا"، وخطاب الجنرال لا يحتاج الى محلل سياسي بل الى محلّل من نوع آخر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل