كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار":
لجلسة مجلس الوزراء الاربعاء أكثر من دلالة لما ستحمله ليس فقط على صعيد مواجهة المأزق المالي الذي أقحمت الحكومة نفسها فيه بعدما قررت الاستعاضة عن سلفات الخزينة باقتراح مشاريع قوانين لقوننة إنفاقها، بل لأنها تشكل محطة اختبار للتضامن الحكومي مع انتهاء مهلة الاسبوع التي أعطاها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لحكومته لتفعيل عملها ولمواجهة التفلت الامني الذي بدأ يتفاعل بعد أحداث طرابلس أمس.
فميقاتي كان أمهل حكومته حتى جلسة الاربعاء للخروج بحل للمعضلة المالية وإلا "فسيكون لكل حادث حديث"، بما أوحى أن رئيس الحكومة الذي عبّر في أكثر من مناسبة عن استيائه من تعذر تفعيل العمل الحكومي بفعل التناقضات بين مكوناتها، يتجه إلى خطوة ربما تكون تصعيدية في اتجاه الاعتكاف أو الامتناع عن الدعوة الى جلسات حكومية، وهو كان سبق ان لجأ إلى خطوة مماثلة بعد رفض الوزير السابق للعمل شربل نحاس توقيع مرسوم بدل النقل. وقد انتهى الامر بأن حصل ميقاتي على مراده فوٌقع المرسوم بعد استقالة نحاس.
لكن أوساطاً قريبة من السرايا استبعدت وصول الامور إلى هذا الحد، وخصوصا بعد أحداث طرابلس التي تنذر بتفلّت الوضع الامني وتتطلب أقصى درجات التحوط واليقظة منعا لأي انزلاق أمني يهدد الاستقرار الامني في البلاد.
كذلك، فإن رئيس الحكومة محكوم بمجموعة لاءات وسقوف تحكم الوضع الحكومي لا يمكن تخطيها. فلا استقالة ولا اعتكاف ولا تعطيل لجلسات مجلس الوزراء، رغم الغضب الذي عصف بميقاتي في الجلسة الاخيرة وصولا إلى حد إعلان موقف تصعيدي تريث عنه نتيجة نصيحة وزير قريب منه اقترح الاستعاضة عن التصعيد بإعطاء مهلة اسبوع تشكل مهلة لإعادة النظر في المواقف من الملف المطروح.
وفي رأي مصادر وزارية مواكبة، أن الرسالة ربما تكون وصلت الى من يعنيهم التعطيل. فجاء جدول أعمال جلسة الاربعاء المؤلف من 7 بنود فقط أولها مشروع تخصيص اعتماد بقيمة 4900 مليار لبعض النفقات الضرورية (وهو مؤجل من الجلسة السابقة)، في حين استبعد مشروع الـ8900 مليار ليرة موضع الخلاف على أساس أن الجلسة الاخيرة لم تتخذ قرارا به، مما يعني رفضه ورفض البحث فيه مجددا. ولكن اعتمدت هذه الصيغة أدبيا احتراما لموقع رئيس الجمهورية الذي طلب إدراج هذا البند وبحثه.
وهذا يعني أن المجلس سيحصر بحثه في مشروع الـ4900 مليار، علما أن الاتصالات التي شهدتها عطلة نهاية الاسبوع لم تثمر بعد تفاهما على المخرج القانوني للإنفاق. وعزت مصادر وزارية في فريق 8 آذار لـ"النهار" ذلك الى أن الوضع الامني استـأثر بأولوية الاهتمام، ولا يزال أمام الحكومة الوقت الكافي للبحث في الموضوع المالي حتى جلسة الاربعاء لكن المهم اليوم هو معالجة الوضع الامني قبل أن يتفاقم.
وإذا كانت الحكومة تعتزم الصرف على أساس مشروع الـ4900 مليار فهذا يعني أن عملية القوننة ستخضع لاتفاق سياسي كامل وشامل لا يبدو أن ظروفه ومعطياته قد نضجت بعد.
وثمة سبب آخر يدفع المصادر المواكبة الى استبعاد تعطيل الحكومة يتمثل في الاستعدادات الجدية (؟) لدى رئيسها لعرض مشروع قانون موازنة 2012 على مجلس الوزراء، وهو ينتظر تسلمها من وزير المال محمد الصفدي الذي وعد بأن تكون جاهزة في الايام القليلة المقبلة لإدراجها في جدول الاعمال.
ولأن أمر تعطيل الحكومة أو تسييرها ليس في يد رئيسها، فإن المعالجات ستبقى ظرفية في رأي المصادر عينها، في ظل الصراع المحتدم بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، والذي وصفته المصادر بـ"المعركة بالسلاح الابيض"، واعتبرت أنه يشكل العلة الاساسية في تعطيل الحكومة إذ يقف حلفاء عون الى جانبه في مطالبه في حين يقع رئيس الحكومة ضحية شراكته الاستراتيجية مع سليمان.
ورغم المطبات التي نجح ميقاتي في تجاوزها منذ عام، إن بتمويل المحكمة أو تمديد بروتوكولها أو الوقوف في وجه مطالب عون وصراعه مع رئيس الجمهورية، أو الوقوف في وجه سياسة "حزب الله" في إدارة السلطة، وثمة من يرى أن ميقاتي يعطل مشروع الحزب ويمنعه من الحكم على طريقته، فإن هامش الحرية الذي توافر له ليحقق تلك النجاحات بات يضيق، وقد بلغت الطريق نحو الحائط المسدود نهايتها. وترى مصادر أكثرية أن فترة السماح المتاحة أمام الحكومة بدأت تضيق في ظل ما يتردد عن شروط سورية أبلغت الى رئيس الحكومة أخيرا عبر وسيط قريب منه، ومفادها 4:
– التراجع عن سياسة النأي حيال الملف السوري وضرورة حسم الحكومة اللبنانية خياراتها والتزاماتها.
– دعم النائب ميشال عون في مطالبه.
– تسليم المطلوبين السوريين اللاجئين الى لبنان.
– السير في قانون انتخاب على قاعدة النظام النسبي.
وفي حين حددت كلمة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله لفريق 8 آذار خريطة طريق قانون الانتخاب على أساس النسبية التزاماً للنصيحة السورية، تتوقع المصادر المعنية أن تشهد الفترة المقبلة اختبارات حيال الشروط الاخرى.