إنتهاكات متمادية من جانب جيش النظام السوريّ للحدود اللبنانيّة شمالاً شرقاً. مطالبُ مخابراتيّة من هذا النظام إلى الحكومة في لبنان من أجل توقيف ناشطين سوريّين وتسليمهم.
ومطالبُ أخرى بإعادة النازحين إلى بلداتهم قسراً. معلوماتٌ مفبركة أبلغتها المخابرات السوريّة إلى الأمن العام في لبنان، بعد أن كانت أبلغتها إلى الولايات المتحّدة والأردن بشأن "شبكة إرهابيّة" في طرابلس، أدخلت المدينة والبلد في مناخ متفجّر. وبالمناسبة فإنّ مسؤول جهاز الأمن العام تبلّغ سوريّاً وليس أميركيّاً، وهو قال إنّه تبلّغ من جهات غربيّة لأنّه يعلَم أنّ المخابرات السوريّة أحاطت أميركا بـ"معلوماتها" بهدف تثبيت مقولة النظام حول محاربة الإرهاب.
القوى الأمنيّة الرسميّة ليس لديها قرار سياسيّ بحماية الحدود والدفاع عنها. وعددٌ لا يستهان به منها "مطوّع" سوريّاً و"حزب اللهياً". وهذا العددُ من الأجهزة الرسميّة يقدّم خدمات أمنيّة لنظام الأسد ولحزب الله. وجهاز الأمن العام يفتحُ في هذه الآونة ملفّات على خلفيّة أحداث كانون الثاني 2007 وأحداث 7 أيّار 2008 وقد أوقف عدداً من مناصري "المستقبل" و14 آذار، في بيروت ومناطق أخرى، متجاهلاً حقيقة أنّ تلك الأحداث قام بها "فريق حزب الله".
و "حزب الله" في هذه الأثناء يقاتل بجانب نظام الأسد داخل سوريّا، و"يساهم" في خطف سوريّين وتسليمهم، ويوزّع السلاح في مناطق مختلفة لا سيّما في الشمال. حتّى إنّ مهتمّين بإغاثة النازحين السوريّين في منطقة البقاع راجعوا في مرحلة معيّنة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بشأن مساعدة هؤلاء النازحين، ونقلوا عنه قوله إنّ "حزب الله" يعترض على هذا الأمر، ممّا يجعلُ الاستجابة لطلب المساعدة مستحيلاً.
وفي شهر نيسان الماضي، جرت محاولةٌ جدّية لاغتيال رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" الدكتور سمير جعجع. والخطيرُ في الموضوع ليس فقط أنّ وزير الاتّصالات يحجز الداتا، بل إنّ معلومات متعدّدة تشير إلى أنّ الجريمة تقع على تقاطع تواطؤات سياسيّة – أمنيّة متشعّبة.
ويحصلُ ذلك فيما يتحدّث مسؤول جهاز الأمن العام عن احتمالات لاغتيالات جديدة.
إنّ السطور السالفة تقدّم عيّنة عن الوضع الأمنيّ العام في البلاد.
وضع أمنيّ يتراوح بين الاضطرابات هنا والفوضى المسلّحة هناك والحروب والهدنات الهشّة هنالك. وضعٌ أمنيّ لا يقع تحت السيطرة، سيطرة أمن شرعيّ يخدم الدولة فقط والمواطن فقط. وضع أمنيّ منفلت ومتدهور ولا اطمئنان لدى أيّ لبنانيّ من خارج المنظومة السياسيّة – الأمنيّة المتحكّمة، إلى أنّه يمكنه أن يكون بخير. ووضعٌ أمنيّ مرشّح لانهيارات وسطَ تصميم نظام الأسد المتداعي على إشعال لبنان.
… إلى أن كانت "الصورة الجامعة" بين الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله والأمين العام لـ"القيادة العامة" أحمد جبريل. نعم نصرالله في لقاء مصوّر مع جبريل!. مع جبريل صاحب "الأملاك المحصّنة" والقواعد العسكريّة في عدد من مناطق لبنان!.
عددٌ من المحلّلين رأى – وقد يكون مُحقّاً – أنّ اللقاء يقع في إطار إقليميّ. جبريل الهلِع من سقوط الأسد يهرع إلى نصرالله وإيران. وإيران دخلت مرحلة مفاوضات مع الغرب. وفي سياق الصراع التفاوضي تستحضر إيران جبريل عبر "حزب الله". وبهذا المعنى الإقليميّ – الإيرانيّ، قد يكون لقاء نصرالله – جبريل جزءاً من التفاوض من جانب إيران، إمّا لـ"بيع" رأس جبريل بطريقة ما في وقته، وإمّا للتهويل به في وقته أيضاً. لكن كلّ ذلك لا يلغي حقيقة أنّ المشهد الذي تقصّد "حزب الله" تقديمه "مصوّراً"، هو مشهد قبيح ومقلق.
في ضوء المقدّمات الآنفة جميعها، ثمّة ثلاثة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح، ولو أنّ الأجوبة يمكن أن تكون "منها وفيها"، أي الأسئلة. هل اتّخذ "حزب الله" – مع إيران – قراره الأخير بإسقاط الدولة أو أليس ما يحصل نتيجة الأمر الواقع الذي يفرضه "حزب الله" هو إعلان إسقاط الدولة؟. والسؤال الثاني: هل يستطيع أحدٌ من المؤمنين بالدولة أن يكون مقنعاً عندما يقول للناس إنّ الدولة تحميكم؟. والثالث: هل يمكنُ السلطة بمراكزها المختلفة أن "تلحق" بالوضع قبل أن "يفلت" بإجراءات تعيد الاعتبار للمؤسّسات والأجهزة بدلاً من تضييع الوقت؟.
هي أسئلة تعبّر عن تقدير بأنّ لبنان يجتاز منعطفاً أمنيّاً خطيراً، وعن تقدير بأنّ الدولة تشارف على السقوط الأخير تحت وطأة ربط الفريق الحاكم المسيطر لبنان بمصير نظام الأسد، وتحت "وطأة حزب الله".
في مقابل القرار المأخوذ من "حزب الله" – نظام الأسد بإسقاط الدولة، في ظلّ عجز الكثير من الأجهزة الأمنيّة عن السيطرة على أمن لبنان وطناً ومواطنين ودولة، يُسجّل للرئيس سعد الحريري بقاؤه على أمله بالدولة.
فالموقف الذي اتّخذه حيالَ وضع طرابلس ضدّ طريقة اعتقال شادي المولوي وضدّ الخروج على الدولة في آن، والدعم الذي قدّمه لانتشار الجيش يعكسان – الموقف والدعم – حقيقةَ أنّ الرئيس الحريري يقاومُ حتّى "الرمق الأخير" من أجل الدولة، ومن أجل أمل للناس بـ… دولة.
هنا هو جوهر الصراع السياسيّ: بين من قرّروا إسقاط الدولة ومن لا يزال لديهم رمق يدافعون به عن دولة.
ولذلك بالضبط، فإنّ لبنان يجتاز أخطر مرحلة في تاريخه على الإطلاق، ذلك أنّه حتّى في زمن الحرب اللبنانيّة كان هناك هيكل دولة!.