#adsense

العريضي شهيد السلم الأهلي

حجم الخط

العريضي شهيد السلم الأهلي

يبدو ان المفجوعين بالمساعي المبذولة للمصالحات والحوار وكسر الحواجز (المفتعلة) بين اللبنانيين وتقارب الناس، والانقشاعات الامنية والسياسية والاقتصادية، يبدو ان المفجوعين برحلة السلم الاهلي وباقتراب انعقاد طاولة الحوار خرجوا عن اطوارهم، وصبرهم، و"تجمّلهم"، ورموا الاقنعة عن وجوههم، "ليكشروا" من جديد عن انيابهم، ويضربوا في عمق المساعي السلمية التي تتم في كنف الدولة. وإذا كانت الضربة التي جاءت من "أعداء" لبنان، (واسرائيل ليست وحدها العدو) قد كانت منتظرة ومتوقعة، انما المفاجأة كانت هذه المرة تكمن في الهدف. فقد صوب أعداء لبنان (واسرائيل ليست وحدها عدوه)، على الجبل، تحديداً على قائد من 8 آذار، هو الشهيد الشيخ صالح العريضي (من الحزب الديموقراطي) الذي اغتالوه بسيارة مفخخة (الطريقة ذاتها التي اغتيل بها الشهيدان جورج حاوي وسمير قصير) في بلدته بيصور. دائرة القتل ما عادت تقتصر على رموز 14 آذار (كما جرت العادة!) بل صارت تدور رحاها على الجميع إذا اقتضت الضرورة عند مخرّبي السلم الاهلي، ومثيري الفتن، ومدمري وحدة البلد، ومدبري الحروب، ومعززي البؤر الامنية. رسالتهم واضحة تكمن في: لا يظنن احد في لبنان انه بمنأى عن غدرنا. وانه ابعد من متناولنا.

فالكل مشاريع ضحايا، وأضاحٍ على مذابحنا افراداً وجماعات. هذه هي الرسالة: لأن كل من تسوّل له نفسه ردم الانقسامات او مد جسور متينة بين اللبنانيين، يدرج في اللائحة السوداء، سواء كان من 14 آذار أو 8 آذار: لا سقف فوق رأس احد! إذاً هذا انذار اول لبعض 8 آذار، سواء في الجبل أو في بيروت أو الشمال، فليس من دم لبناني اغلى من دم لبناني آخر: الدم اللبناني كله رخيص. وكله برسم الاهدار والسفك وكله يسري في شرايين "مفتوحة". إذاً فاتعظوا "يا أولي الالباب": لا تقارب في لبنان إلا على حساب السيادة (مفهوم؟). لا مصالحات إلا إذا أدت الى انقسامات (مفهوم؟). لا سلم اهلياً إلا إذا أفضى الى فتن اهلية. ولا حكم "ثابتاً" إلا إذا كان حكماً شكلياً (مرتهناً)، ولا استقرار إلا إذا كان معبراً للازمات، ولا حقن للدماء إلا إذا كان احتقاناً بين المجموعات اللبنانية، ولا حلم بالدولة إلا إذا كان على حساب الدولة والاستقلال، ولا وجود للاستقلال إلا إذا انتفى، وعليه، فإن تحركات الشيخ سعد الحريري في الشمال والبقاع، والمصالحات، واللقاءات، والاتفاقات، ونزع فتائل الفتن، كلها تهدد "سُعاة" التخريب، إذاً، فلتُنسف. وما التقارب في الجبل، سوى تهديد آخر لمشاريع الفتنة التي يسعون إليها. إذاً فلنضرب الضربة (المتوقعة) اليوم في الجبل، وفي صدر المعارضة نفسها، وفي صميم 8 آذار، قبل ان تتعزز اجواء السلم ومناخات التقارب، وترسيم واقع ما بعد اتفاق الدوحة، ومندرجاته، وبنوده…

هذه الرسالة الدموية موجهة الى كل زعامات لبنان: من هذه الضفة الآذارية الى تلك الضفة الآذارية الاخرى: من عند ساحة رياض الصلح الى ساحة الحرية، من الحلفاء "الاحباء" الى "الأعداء" "الأحباء" من الحكومة بأعضائها الى رئاسة الجمهورية برمزها، فالى الجيش والدرك والقوى الأمنية، والانفار والضباط… كل هؤلاء تتضمنهم هذه المرة الرسالة الدموية الشاملة. امس، كانت الرسائل تبعث الى "جهة" واحدة، لتعزيز "جهة" أخرى (موالية) وكأنها كانت رسالة ناقصة تكفي للترعيب والتهويل والتخوين… واذا كانت هذه الرسالة أصابت الشهيد العريضي فلأن التخوين لا يمكن أن يكون جزئياً، بل بات بلغة عارمة… كلية: الجميع يمكن أن يسجلوا على هذه اللائحة التخوينية، إذا أخلصوا لشعبهم أو درأوا الفتنة، أو سعوا الى تجاوز التناقضات… والذين كانوا يستبعدون أن تطاول الأيدي المجرمة بعض رموز 8 آذار ها هم اليوم، "يصعقون" (!) ويتبلبلون، بأن الأيدي المجرمة هي أيدٍ مجرمة، ولا هوية لها سوى تأكيد وجودها بالاجرام، وسوى تثبيت حضورها بالقتل.

وهل فات أهل 8 آذار ذلك! ومنهم ذوو خبرة وعلم وعلاقة ودراية بهذه الأمور، وببواطن من معهم ومن ليس معهم. وهذا ما كنا نردده باستمرار: لا تظنوا يا أهل 8 آذار أنكم بتواطؤ بعضكم، ستنجون. فالدائرة ستدور عليكم. وها هي تلاويحها. وما أصاب قيادات 14 آذار سيصيبكم: والرصاص الذي وجه لقتل رفيق الحريري وسائر شهداء 14 آذار سيصيبكم (هذا ما تعلمناه على امتداد الحرب في لبنان). وان التستر على جريمة ارتكبت "بخصومكم" من أهل بلدكم، هو "تأشيرة" لقتلكم. هذا ما لم تعرفوه (وكان يكفي أن تتهموا اسرائيل، ولا تعلمون ان مثل هذا الاتهام (واسرائيل لا تنزه عن أي جريمة) هو إهدار دم لبنانيين آخرين ودمكم الآتي… وكأنكم، (وكأننا) لا نعلم ان الذين يستبيحون أرواح مواطنيكم يسترخصون كل الدماء: فكأنها فدية على لائحة انتظارات طويلة، وصفوف من الموتى، والشهداء. الكل استُرخِصَ دمنا على امتداد أربعة عقود: من العدو الصهيوني الى بعض الأنظمة العربية الفاشية التي طمعت بجعل لبنان ساحة لها، ولصراعاتها وهيمناتها، ومؤامراتها… كلهم اشتروا دماءنا… بأبخس الأثمان: من هؤلاء الاشقاء الى هؤلاء الأعداء، من الأبعدين الى أبعد الأبعدين: تلذذوا بدمنا، وبجثث ضحايانا، ولم يشبعوا، ولم يرتووا. هؤلاء نعرفهم: من المجازر التي ارتكبت، ومن حروب التهجير، والاغتيالات، والسجون، وآلات التعذيب: وهنا، نتساءل: من أين جاءت "مشاعر" الدونية تجاه اللبنانيين. من يستبح أرضك يعتبر أنه أولى بها منك، باعتبارك دونه. ومن يذبحك ويمتص دمك ويغتذي به، يعتبر ان دمك لم يجر إلا ليصب في مجاريه. ومن يُهِنْ كرامتك يعرف أنك تقبل أن تكون بلا كرامة. ومن يشتر سكوتك عن جرائمه، ومخططاته بحق بلده، يحتقرك في عمقه… ويزدر كل "بكرة أبيك"… ومن يراجع خطب بعض المحللين والقادة الاسرائيليين، وبعض "المحللين" والقادة العرب، يستشف هذه النبرة "الدونية"، عندما يعتبر أن اللبنانيين عاجزون عن حكم أنفسهم، وعاجزون عن العيش مع بعضهم: فهم "وحوش" طائفية يحب ردعها عن بعضها: ونحن لرادعوها! هذه هي الأمثولة التي تجاهلها اللبنانيون، وتناسوا (أو أجبروا على التناسي) أن الاستقواء بالخارج لتحقيق الغلبة في الداخل، ليس أكثر من تعبير شديد عن احتقار الذات، أو على الأقل، تبني ازدراء "الآخر" لهم وللبنانهم ولأرضهم، ولتاريخهم، وحدودهم، ووجودهم. فكيف يقبل لبناني، أياً كان انتماؤه، أن ينخرط في مخطط جهات خارجية تحتقره أصلاً: من بعض الأنظمة العربية (لا سيما الثورية العوذ بالله) الى الأنظمة الأعجمية، فإلى إسرائيل… وسواها. وربما تناسوا أن تخوين شرائح من شعبهم، لا تعني في العمق سوى تخوينهم، عندما يتبنون هذا التخوين الذي يطلقه بعض المراجع الخارجية. وأن التنازل عن أجزاء من أرض الوطن لإرادات خارجية هو تنازل عن الوجود، وليس عن الوطن فقط، عن التاريخ، وليس عن الحدث، عن الحياة نفسها، وليس عن العيش.

على هذا الأساس، جعل بعض زعماء وقادة لبنانيون ارتبطوا بالخارج، على امتداد أربعة عقود، الشعب اللبناني مرتزقاً: تحت شعارات تافهة، ورنانة، ومن منطق تبريري. وهكذا، صار اللبنانيون، بالنسبة الى بعض القيادات العربية (التافهة طبعاً) وبالنسبة الى إسرائيل (الأتفه) وإلى بلاد الأعاجم (التفاهين) مجرد عبيد، ينقلون بالشاحنات والقيود، من استرقاق الى استرقاق، ومن استعباد الى استعباد، ومن وسائل، مجرد وسائل "لحظوية" في طريقة الحروب والمصالح الخارجية. بل وبات التمرد على عبودية هذه الأنظمة ليس خروجاً على الأعراف، والمسالك، بل نوع من الخيانة، والارتداد، والتآمر: واذا راجعتم بعض أحداث الحروب الماضية (ابتداء من 1969) تكتشفون ما كان مصير "المتمردين" على بعض الارادات الخارجية: القتل، الاغتيال، النفي، السجن، التشهير، وتكشفون أن كل من حاول مد جسور بين الشعب الواحد، كان مصيره الاعدام. فمنطق أن هذا البلد ليس سوى ساحة يتعايش فيها عدة شعوب وجدت بالمفرق بالصدفة، ومتصارعة على وجودها، وبلا انتماء، وتحتاج الى من يرعاها كالخراف، ويذبحها كالخراف، ويجزها كالخراف، ويسلخها كالخراف، يجب أن يبقى سائداً ليس فقط في العقول، وإنما في النصوص أيضاً، وليس في الذاكرة وإنما في القوانين: قوننة أن لبنان ليس للبنانيين، قوننة أن لبنان بلا حدود. قوننة أن لبنان بلا دولة. قوننة أن لبنان بلا جيش. أي قوننة أن لبنان حالة غير طبيعية "خطأ جغرافي"، وأنه أرض الفتن والأعراض والحروب والاقتتال، قوننة استباحة لبنان من كل قوة طغيانية… وهذا ما يفسر تقاطع إسرائيل في هذا المجال مع أنظمة عربية وأعجمية: التواطؤ على وجود لبنان ضمن تاريخ وحدود وسيادة، واستقلال ودولة. وكيف نفسّر تكالب كل هؤلاء على انتهاك البلد تحت ذرائع، وأسباب، وافتراءات. بل وكيف نفسّر أن أي زعيم (فاشل وفاسد ومهزوم) يتطاول على اللبنانيين بإعلان التدخل في شؤونهم: إنه مرض استعماري أصاب أناساً "مستعمرين" حتى اليوم: فما أجمل أن يستعمرك "بطل" مُستعمَر، وأن يُذلك "بطل" مُذلّ، وأن يسترققك بطل مسترقق. والمضحك أن بعض الجهات التي تحتاج الى من يساعدها على تحرير أرضها، وتحسين أوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والسياسية، ها هي تستنفر نفسها كمرجع صالح لمساعدتك في الوقت الذي يحتاج "شعبها" وبلده إليها… أكثر مما نحتاج إليها، إذاً، الطريف المفجع أن لبنان على مرمى المستنجدين بالخارج: كاللص الذي يخطف رهينة ليحمي نفسه! وهم أكثر من لصوص ونحن أكبر من أن نكون رهينة (مفهوم). أوليس هذا ما يفسر عدم ترك هؤلاء "الضعاف" (إلا بالقمع والعدوان) لبنان وشأنه: الضعيف يحتاج الى الأضعف! ربما! أوليس هذا ما يفسر هذه النظرة الدونية التي ينظر بها العالم إليهم: ينسون احتقار العالم لهم ولأنظمتهم الفاسدة والقمعية، ليمارسوا الاحتقار من باب التطهير والتعويض علينا! (جحا ما في إلا على خالتو).

وهذا ما يفسر استشراس هؤلاء الوحوش في إعادة لبنان مجرد محمية لهم. مجرد سجن. مجرد ساحة لآثامهم وحساباتهم. وهذا ما يفسّر أن كل محاولة من أي جهة أتت، لتمتين العلاقات بين اللبنانيين، وتطويق الفتن، وتوحيد الصفوف، ليست سوى إعلان حرب على هؤلاء الطامعين. ويبدو أن التقارب في الجبل، لا سيما في أحداث 7 أيار، والذي حال دون اندلاع فتنة درزية ـ درزية، كان بمثابة إعلان حرب على المخططين للفتنة، إذاً فليدفع الثمن (الأول) أرسلان باغتيال العريضي وليتعظ الحريري، ويفرمل من مساعيه الى المصالحات في الشمال والبقاع… وربما غداً في بيروت! من دون أن ننسى طاولة الحوار: فهذه المصالحات تؤدي الى مصالحات على طاولة الحوار. وهذه لكبيرة، لا تغتفر: فمفهومهم لطاولة الحوار أن تكون بلا كراس وبلا طاولة، وبلا متحاورين: مجرد شاهد (أو اختبار) على أن اللبنانيين عصاة على الحوار، ولهذا فالرسالة "الجبلية" (التي تشبه الرسالة التي قتلت الشهيدين حاوي وقصير) هي رسالة عمومية، وبأحجار عدة، وموجهة هذه المرة الى الجميع: حذار أن تفكروا بحوار أو بمد جسور أو بوحدة أو بمشروع دولة: "حذار أن تحلموا بسلم أهلي، حذار أن تتفقوا… فكل ذلك نعتبره بمثابة إعلان حرب علينا، تكون فيها كل الأسلحة مشروعة" من افتعال معارك، الى دسائس، الى اغتيالات، الى تخوين، الى اجتياح… كل ذلك يصير مشروعاً بالنسبة الى هذه الجهات، لسبب بسيط أن هذه الجهات لم يعد لديها سوى القتل وسيلة لفرض هيمنتها… لم يعد لها سوى الفتنة وسيلة لبسط نفوذها… لم يعد لها سوى القسمة لتثبيت قوتها: انه المنطق الاستعماري يمارسه هؤلاء، انه المنطق الاسترقاقي يمارسه هؤلاء العبيد: فما أقسى أن يمارس العبد ما يمارسه عليه الأسياد! وما أقسى أن يتعجرف و"يَتَفَوقَن" عليك من هم في الأسافل والقيعان!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل