#adsense

“السفير”: تقرير دبلوماسي…الاستقرار اللبناني خيار إقليمي ودولي ومحلي

حجم الخط

كتب داود رمال في صحيفة "السفير":

أي مسارات ستسلكها الأزمة السورية في المرحلة المقبلة، في ضوء استمرار العنف من الجانبين الرسمي والمعارض ودخول تنظيم "القاعدة" على خط العنف الدموي الذي حصد الكثير من الأبرياء، وهل بالإمكان التوصل الى تسوية ما، تخرج سوريا من النزيف القائم وتجنّب لبنان التداعيات السورية؟ وما هي حدود نجاح فرصة تسوية كهذه في ظل استمرار تضارب التوجهات والحسابات الدولية والاقليمية؟

هذه التساؤلات يتكرر بعضها منذ سنة وخمسة أشهر وبعضها مستجد ربطاً بتطورات جرت مؤخراً ولا سيما دخول "القاعدة" والذي ترافق مع سلسلة تحذيرات أميركية وروسية وغربية من امتداد النيران السورية إلى لبنان.

يقول تقرير دبلوماسي لبناني أن كلاً من الجانبين الروسي والأميركي يرى حدوداً للأزمة السورية، فالإدارة الأميركية ما تزال تقول بحتمية التغيير في سوريا، ولكنها لم تعد تلحّ على حصوله الآن خوفاً من البديل الأصولي المتطرف. والقيادة الروسية ما زالت على موقفها الرافض لتغيير النظام، لكنها صارت مقتنعة بأنها لم تعد قادرة على فعل أفضل مما قامت به، خصوصاً أن فرصة العمل العسكري طالت ولم تؤد الى الحسم، اذ أنه كلما تمّ "تنظيف" (بالمعنى الأمني للكلمة) منطقة من المسلحين، ينتقلون الى منطقة أخرى، وهو الأمر الذي ولد قناعة روسية باستحالة الحسم العسكري، والسؤال الذي يُطرح من قبل الموفدين والمسؤولين الروس، هو: ما العمل؟

يزيد من إلحاح السؤال الروسي أنهم كانوا وما يزالوا (ومعهم الصين) متشبثين بخيار حماية النظام، لكن الكلفة تزيد يوماً بعد يوم، فالروس لم يتوقعوا موقفاً خليجياً متشدداً وحاداً الى هذه الدرجة. فقد شرح الجانب الروسي للخليجيين رفضه أن تكون سوريا "ليبيا ثانية" ورفضه قيام حكم متطرف يشكل تهديداً للأمن القومي الروسي، وبدل تفهم الخليجيين، كان موقفهم يتصلب وخاصة السعودية وقطر، مع استمرار إصرارهم على تنحي الرئيس السوري بشار الاسد وأن لا عودة عن هذا الموقف الخليجي الذي بات يهدد المصالح الروسية العربية.

طرح الخليجيون على الروس أكثر من مرة حل الأزمة السورية على "الطريقة اليمنية"، وأن يتولى نائب الرئيس السوري فاروق الشرع موقع الرئاسة، في إطار مرحلة انتقالية، ولكن هذا الطرح لم يقبل به الروس، ناهيك عن رفض مجرد البحث به من قبل القيادة السورية، وترجم ذلك عندما طلب الموفد الدولي كوفي انان موعداً للقاء فاروق الشرع، ولكن لم يحدد له الموعد حتى يومنا هذا. طرحت ايضاً فكرة تشكيل حكومة سورية برئاسة شخصية معارضة بارزة من الداخل وحتى الآن، لا أحد يعرف أين اصبحت الجهود بهذا الخصوص، علماً أن اكتساح حزب البعث أكثرية مقاعد مجلس الشعب ومن ثم انتخاب رئيس المجلس وأعضاء هيئة المكتب أعطى اشارات سلبية حتى لبعض الشخصيات المعارضة التي فازت في الانتخابات.

يقول التقرير إن سؤال "ما العمل" الذي يطرحه الروس يتكرر، ولو بمضمون معاكس من جانب الأميركيين، فقد جربوا الكثير من الطرق والوسائل وبلغوا الحائط المسدود، وهذا الواقع جعل الروس والاميركيين يبدأون التفاوض حول الملف السوري. والسؤال الذي طرح هل يجب ان يتفاوض الجانبان أيضاً مع السوريين والسعوديين والايرانيين والاتراك؟ والجواب "نعم بالتأكيد"، وتقول المعلومات المتوافرة إن الجانبين يسلكان حالياً مساراً إيجابياً، فالأميركي فهم بأن الروسي لن يقبل بإزاحة بشار الاسد والروسي فهم من الأميركي بان هذه الحالة لا يمكنها ان تستمر على حالها. وتحتاج الى توجه ومسار معينين، علماً ان الغرب يدرك ان القيادة السورية حتى لو اضطرت للتعارض أحياناً مع الجانب الروسي فلن تتراجع عن مواقفها مستندة الى معادلة بالغة التعقيد وواقع سوري عصي جداً على محاولات فكفكته حتى لو أدى الأمر الى حرب استنزاف داخلية طويلة".

ماذا عن الانعكاسات اللبنانية؟ يشير التقرير الدبلوماسي الى أنه "برغم انعكاس الازمة السورية في لبنان، بأشكال مختلفة، وآخرها قضية المخطوفين اللبنانيين على الأراضي السورية، الا ان القيادات الإسلامية الاساسية اي الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، لا يريدون حرباً أهلية في لبنان لأنهم سيخرجون منها جميعاً خاسرين، بمعزل عن الحسابات الميدانية، وفي المقابل، لا السعودية ولا سوريا ولا إيران تريد حرباً في لبنان لا تصب في مصلحة أي منها، كما أن الدول الغربية ليست في جو زعزعة الاستقرار اللبناني. انما على العكس من ذلك، فهم يتعمّدون تقديم التطمينات بالحفاظ على الاستقرار والسلم الاهلي وهم يشيدون بصورة متكررة بسياسة "النأي بالنفس" من قبل حكومة نجيب ميقاتي".

يشير التقرير الى ان بعض الدوائر الدبلوماسية "لمست سعي جهات لبنانية الى تحويل منطقة الشمال الى منطقة شبيهة بحمص في سوريا، بحيث تؤدي الحوادث الأمنية المتنقلة الى اخراج الجيش واضعاف دوره وتشتيت قواه وتصبح المنطقة مفتوحة على حركة السلاح والمسلحين بلا حسيب أو رقيب، وتنشط فيها كل المجموعات والدول التي تعمل ضد النظام في سوريا. وطالما هناك قرار لدى بعض الدول بإسقاط النظام السوري، فإن أسهل الطرق لاستخدام طرابلس والشمال يكون بإخراجها من نطاق السلطة والشرعية، عبر مقاربة مفادها، نحن لا نريد حرباً في لبنان انما نريد هذه المنطقة خارج السلطة ومنطلقاً للاستخدام الأمني ضد النظام السوري".

يتوقف التقرير الدبلوماسي عند مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الأخيرة، "ففي خطوة استباقية، كان واضحاً في موقفه، "نحن نتعامل بإيجابية مع دخول النازحين السوريين الى الأراضي اللبنانية، ومع تقديم كل عون انساني لهم ولن نقبل بإعادتهم قسراً الى سوريا، ونرحب بالتعاون مع مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين لتأمين حاجاتهم الإنسانية وندعو الى التسريع في بت قضية الموقوفين الاسلاميين، ولكن ليس على حساب العدالة والحق، ونقوم بمشاريع تنموية واقتصادية واجتماعية في منطقة الشمال، ولكن لا نقبل بأن تصبح اي منطقة خارج سيطرة الدولة اللبنانية ونقطة انطلاق لعمل عسكري ضد سوريا، كما لا نقبل بأن تكون سورية نقطة انطلاق لأعمال عدائية ضد لبنان".

كذلك برز موقف رئيس الجمهورية الذي وفر الغطاء السياسي الكامل للجيش سواء في مواجهة الحملة التي تعرض اليها بعد القاء القبض على الباخرة "لطف الله 2" أو بعد حوادث طرابلس وعكار، حتى أن رئيس الجمهورية، هو المسؤول الوحيد في الدولة اللبنانية الذي لم يمارس أي ضغط على الأمن العام لإطلاق سراح شادي المولوي، بل بادر الى توفير الغطاء السياسي للأمن العام داعياً القضاء الى أن يتحمل مسؤوليته، وهو أمر رفع معنويات المؤسسات الأمنية والعسكرية.

يشير التقرير إلى أن "الخلطة" التي ميّزت المواقف الرئاسية سواء بتوفير الغطاء للمؤسسات الأمنية والقضائية، أو بالتعامل مع قضية اللاجئين بمعايير شفافة أو بالدعوة الى تسريع البت بقضية الموقوفين الإسلاميين، وكذلك تسريع مشاريع التنمية في الشمال وغيرها، أنتجت معادلة قائمة على وجوب الحسم في الموقف حيناً والتسامح حيث لا يكون ذلك على حساب هيبة الدولة، ومن هنا جاءت المبادرة التالية بالدعوة الى الحوار، بعدما تمّ جس نبض عواصم عدة، وجاءت النتيجة لمصلحة جلوس اللبنانيين إلى طاولة الحوار وعدم المسّ لا بالحكومة ولا بسياسة "النأي بالنفس"، وهو أمر ينطبق على طرابلس وعمقها الحدودي.

يختم التقرير بانطباعات رسمية لبنانية مفادها "ممنوع على أحد الانطلاق من لبنان لمهاجمة سوريا، وفي المقابل، نستقبل النازحين ونعاملهم جيداً ولا نقبل بإرجاعهم من حيث أتوا، واذا لم نقبل بهذه المعادلة نكون قد وضعنا أنفسنا وبلدنا في صلب المواجهة الخليجية – السورية، خصوصاً أن رسالة المندوب السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومجلس الأمن كانت قوية في مراميها وتبرر تدخلاً عسكرياً، برغم علمنا أنهم لن يقدموا على ذلك".

 

المصدر:
السفير

خبر عاجل