كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
عزيزي شادي: أحببت أن أتوجه إليك من دون أن نكون قد التقينا، ولا أدري لماذا وأنا أتابع ما جرى معك، كيف أعدتني إلى 18 سنة مضَت، إلى ذكرى حاولت أن أنساها وكيف أنسى، والذكرى سكنت معي في السجن الصغير 11 سنة كاملة من دون أن اعرف لماذا سجنت، وكيف خطّط القدر لي أن أكون بطلاً في رواية مفبركة ودامية أريد لها أن تكون، ليلة للقبض على وطن.
أرجو أن لا تشعر وأنا أبعث إليك هذه الرسالة، أنّني أحسدك على ما عشته في قصتك القصيرة المؤلمة لأنّ نهايتها أتت بعد أيام وليس سنوات، كما أرجو أن أضيف برسالتي إليك بعضاً من ذاكرة كادت أن تنسى، لو لم يكرّروا معك السيناريو عينه الذي تفنّنوا في استعماله معي.
لا بدّ لك أن تتذكّر وقد كنت صغيراً حينها، أنّهم اختاروني كي أؤدّي دور البطولة في تفجير الكنيسة، لإدخال سمير جعجع إلى السجن وحلّ حزب القوات البنانية، بسبب توافر عوامل عدة درسوها بدقة. لقد جمعوا ما بين انتسابي إلى القوات اللبنانية، وزياراتي لأخوالي في فلسطين، وخلاف شقيقي الراهب أنور وزملاء له رهبان، مع الأباتي صفير رئيس الرهبانية المريمية، ليحبكوا اتّهاماً متكاملاً وجّهوه إلى جعجع بتفجير الكنيسة بعد أن سوّقوا لنظرية الآمر الناهي، التي أعقبوها باستصدار حكم بتوقيفه وحلّ الحزب، ثمّ انتهوا إلى تبرئته من الجريمة بعد أن تراجعت أمام المحكمة عن كل ما قلته، إثر مجيئي إليهم وتسليم نفسي طوعاً، ليتبين أنّ الملف كلّه مركّب في غرف ماكرة إلى درجة أنّ المجلس العدلي لم يجد أيّ منفذ لاتهامه، لكنهم أدانوني أنا، ويا لهذه الإدانة التي تستحق أن تدرّس لطلاب القانون، في أصول المحاكمات التاريخية النزيهة!
لاحظ يا شادي أنّ قصتك لا تختلف كثيراً عن قصتي إلّا في مدّة التوقيف، فكما أرادوني بطلاً لتفجير الكنيسة، أرادوا منك أن تكون رمزاً لإلباس طرابلس والشمال زيّ الظواهري ولحيته. الآمر الناهي في تفجير الكنيسة كان سمير جعجع، أمّا القاعدة فهي الآمرة الناهية في تفجير الشمال. وليس هذا حصراً ما فعلوه، ففي سجني ورد إليّ أنّهم مارسوا في السابع من آب فصولاً شبيهة بتفجير الكنيسة، فسجنوا الشباب المطالب بالحرية والسيادة، واعتقلوا مَن اعتقلوا وفبركوا أيضاً اعترافات تلفزيونية كرتونية أمام المدّعي العام عن علاقة مع إسرائيل…لا تستغرب في بلد الغرائب أنّ بعض ضحاياهم السابقين، صدّقوهم اليوم عندما اعتقلوك وهلّلوا لهم.
لا تفُتْك الملاحظة أنّني كنت ملتزماً بإيماني المسيحي على رغم أنّني حليق الذقن دائماً، لقد بنوا انطلاقاً من هذا الالتزام كما فعلوا معك حياكة غير ماهرة لتوريطي والقوات اللبنانية بالجريمة، وليس غريباً أن ينطلقوا أيضاً من التزامك الديني ليقفزوا إلى ربطك بالقاعدة، وليس غريباً أيضاً أن ينسجوا علاقة لك مع الأردني عبد السلام عبد الملك، الذي أتى من سوريا وطهران فاعتقلوه بناء لإشارة من الأميركيين، ولأنّهم يحتاجون إلى "أرهبة" الشمال، تحيّنوا الفرصة لأرهبتك أنت والعطية زارع الكلى في بيروت، لكنّ الحقائق هذه المرة لم تتحوّل إلى أفلام كوميدية، فاضطروا لإخراجك وإطلاق العطية، وعدت مكرّماً بسيارة أحد حلفائهم، واستقبلك رئيس حكومتهم، خلافاً لكلّ ما خطّط له مايسترو تسويق الإرهاب: أميراً في القاعدة برتبة وزير شرف في حكومة محاربة الإرهاب.
عزيزي شادي: سامحني لأنّني في بداية رسالتي إليك لم أقل كلّ الحقيقة. لقد قلت إنّي لا أحسدك، ولكن للأسف هذا غير صحيح.
أنا أحسدك فعلاً، فالقدر كان معي ظالماً، اتّهمت وعذّبت ووضعت في السجن 11 عاماً ولم أكن أملك حقّ الصراخ. أتدري لماذا؟ لأنّني كنت أعيش كما كلّ لبناني وسوري، في باحة السجن الكبير، منّا من كان داخل الأسوار، وهؤلاء هم الأكثر حظاً، ومنّا (وأنا منهم) من حُشر في الزنزنات الصغيرة، أمّا أنت فقد أدخلوك إلى الزنزانة ويا لقدرك السعيد، فلقد بدأت جدران سجنهم الكبير تقترب من الانهيار، فكان الإفراج عنك بداية حرية لكل المساجين.
لتكن يا شادي قصّتك القصيرة أمثولة للغد، فكما فشلوا منذ 18 عاماً بعد تفجير الكنيسة، في تلفيق تهمة السعي إلى الدويلة المسيحية، ها هم يفشلون في تركيب تهمة السعي إلى الإمارة الإسلامية.
لتكن قصتك عزيمة لكلّ من آمن بهذا الوطن، بأنّ أنظمة الاستبداد وأساليبها البوليسية دخلت في الاحتضار، عزيمة لا تهزّها سكرات انتهاء الدولة الأمنية، ولا أفلام رديئة بالأسود والأبيض، قضى عليها زمن الربيع.
(رسالة متخيّلة)