زاره الموت مراراً.. ولم يفلح. كان يمكن أن يستسلم له يوم اجتاحت فرق الموت مبنى الجريدة في 9 أيار 2008.. ولم يفعل. ويوم فتك به أكثر من داء عضال.. ولم يفعل.. حتى إذا زنّروه برزمة من آلات القلب نزعها عنه مكابراً.. على الموت، تماماً كما كابر على تجّار الموت لينتزع آلات حقدهم عن صدر الوطن.
هو أراد أن يبقى لأن شرايين قلبه كانت لا تزال تنبض بثورة شارك في صنعها وحلم بانتصارها. تلك الشرايين لم تمت قطعاً لأنها موصولة بنبض آخر، بقضية، وحلم.
شتّان ما بين شرايين قلبه وبين شرايين ثورته التي لم تنسدّ يوماً حتى حين انسدّت لدى آخرين.
قلقه الدائم جعل منه ولاّدة أفكار في زمن الخواء، وحارساً أميناً لأحلامنا و"14 آذارنا" في عزّ الإحباط والخيبات. هو المتنقّل الدائم بين نضال ونضال، من تجربة اليسار إلى 14 آذار، متوّجاً عقده الأخير بنضال جديد أراده في "تيّار المستقبل"، تيّار رفيق الحريري الذي أحبّ وأحبّه.. بعد أن خاض تجربة هي الأحلى بالنسبة إليه في جريدة "المستقبل".
رحل البيك، ولم ترحل معه دفاتر من ذكريات كتبناها معاً، في النهار وفي الليل وحتى ساعات الفجر.. وتواريخ قلّبناها مراراً لينبش وقائع لم نكن نعرفها أو نعرف خفاياها وأسرارها، من أبو عمّار إلى كمال جنبلاط ومحسن ابراهيم وجورج حاوي مروراً بالحركات الطلابية في الجامعة اللبنانية وشعاره الدائم فيها "لا حوار مع السلطة".
وقارُه لم يكن يحجب حنانه وشعوره الدائم بالأبوّة مع أي كان، كما لم يكن يحجب دفئه وظرفه اللذين كانا يملآن الأمكنة من قريطم إلى مقرّ "تيّار المستقبل" مروراً بالأمانة العامة لـ14 آذار وصولاً إلى بيت الوسط.
رحل البيك، ولم يرحل معه الكثير من الحبر والبصمات التي لا تُمحى.. وكرسيّه في المكتب التنفيذي الذي سوف ينتظره طويلاً، ومعه الرفاق الذين كانوا ينتظرون مطالعته كل اثنين.
رحل نصير ولم يرحل معه قلقه الدائم على سعد الحريري، وقصصه ويوميّاته مع سمير فرنجية وفارس سعيد والياس عطالله، وولعه الدائم بوليد جنبلاط.
رجل لم يخشَ الموت يوماً إلا حين كان يتذكّر أفراد عائلته، وما يمكن أن يحلّ بهم من بعده. واحدٌ خاف نصير أن يخطفه الموت قبل أوانه هو رفيق الحريري "من باب الخوف على أنفسنا.. فإذا قتلوك أو توفّاك الله يا دولة الرئيس ماذا يحلّ بنا جميعاً؟".
أما آن الأوان أن تقلع عن القلق يا بيك؟ كفى قلقاً دفعت ثمنه بالأمس، واخلد إلى راحة افتقدتها طويلاً.
وداعاً يا بيك. سلِّم على الرئيس. ولا تنسَ أن تُدخِل الفرح إلى قلبه في السماء، كما كنت تفعل على الأرض.
إلى اللقاء.