#adsense

خفّـــة الـــدم

حجم الخط

ظَلمَ الانقسامُ اللبنانيُّ الحادُ نصيرَ الأسعد. فقد صفّه في جهة سياسيّة وتسبّب في اختزال تجربته ونمو ثقافته السياسيّة والإنسانيّة بمقولة لا ترى إلا "تحوّله من إلى". وظلمته السياسة عموماً وتسببت في حجب أبعاد كثيرة كثيفة في شخصيّته المتنوّعة.

وكان من الأجدى والأجمل أن يكون الواقع السياسي والاقتصادي أرحمَ عليه، فلا يضعه في مثل هذا الاختبار القاسي الذي يحرم الإنسان فرصة أن تتسع صورته لحقيقته كاملة. وهذا من "الخسارات" السياسيّة والثقافيّة والإنسانيّة التي تتراكم حول قلب لبنان، إذ لو تسنّى لنصير أن يبث صورته كاملة لكان ذلك أجمل وأغنى وأرق وأعذب وأكثر جدوى.

فالأكيد، أنّ سخرية نصير، وهي الوجه الآخر لحكمته وخلاصات تجربته، أجمل بما لا يقاس من التحليل السياسي والسياسة. والأكيد أن نكتته الحاضرة دائماً، وسرعة بديهته الفوّارة دائماً، ألطف بما لا يقاس من السياسة، وأكثر بقاءً من حوادث ومواقف وتواريخ. وقد صاغ نصير شفهيّاً روزنامة كاملة من النكات والنوادر تغطي أيّام اشتغاله في السياسة والكتابة السياسيّة. وإذ تُسقِط من يسمعها أرضاً، تُحرج معظم السياسيين، بسبب فارق "الهضامة" وخفّة الدم بينهم وبين قصص نصير. أما الفارق بينهم وبين نصير فلا يُفسّر إلا بأن السياسة ليست ما سعى نصير إلى احترافه. وقد وصل إليها عبر وهم صناعة التاريخ، ووجد نفسه فيها مضطراً إلى العمل فيها كأنّها قدرٌ تدحرج إليه في غفلة من نفسه. وهكذا، آثر أن يفهمها ويفك شيفرتها ويلهو بها سرّاً، أكثر مما سعى إلى ممارستها. وحتى اليوم الأخير بقي نصير الأسعد محترف سياسة وصاحب موقف أكثر منه سياسيّاً.

ونصير الأسعد الذي كان له في الأعوام الماضية، كما دائماً، موقف وخيار صريحان، لا يُختصر، إنساناً وتجربة ثقافية وسياسية وشخصية، بلون واحد، لا في انقسام وحرب ولا في فسيفساء. نصير الأسعد، من زمالة وصداقة جمعتانا، ليس ممن يُختزلوا بحزبية ثابتة مرصوصة، ولا بمذهبية أو عائلية تدّعي الاطمئنان إلى "عراقة" بينما تبحث في التاريخ والحاضر والمستقبل عن ذريعة لوحدة أو قلق، لتحالف أو حرب. نصير الأسعد، تلك الخلطة العجيبة بين الإنسان والتجربة، سواء اتفق معه المرء أم لا، يُغنيه سماع رأيه الذي يدرك التعبير عنه بجرأة ومتانة لغويّة وفكريّة لا تخلو من فكاهة.

ولعل ما يثري أكثر من الرأي هو الأسلوب الساخر. فالرجل الطيب حدْسٌ مبكرٌ للأمور والحوادث. وبما أنه كذلك، شاء القدر أن يدفع هذا اليتيم إراديّاً ثمن خياراته مرّات عدّة: أولاً خروجه المبكر شابّاً عن العائلية نحو اليسار، وثانياً خروجه مخضرماً عن اليسار نحو السياسة والليبرالية. وإذ لم ينجُ من نقد "الرفاق"، لم يتردد في تحويل يتمه الإرادي موقفاً وخياراً يصوغهما على أنقاض التجربة والوطن، ليجد من خلال ذلك انتماءً أحياناً وملجأ أحياناً أخرى، وربما دائماً. وإزاء قسوة النقد الشخصي، الذي يَنسى أو يتناسى الواقع والتغيّرات والمآسي، من جهة، وهشاشة الانتماء، أيُّ انتماءٍ بما في ذلك المتطرف والعنيف، من جهة أخرى، أتقن نصير الأسعد العبث والسير وحيداً في حقل الألغام. فكان بظرف ومرح ينهل من خلاصاته الطالعة من التجربة والماضي والرؤية إلى الحياة، ومن الواقع على حدّ سواء. وعلى الرغم من ذلك لم يُسئ إلى أحد أو رأي. ولا يقل عن هذا أهميّة، انّه، حتى وهو يجري التغيير في أفكاره، حافظ على إنسانيّته ولاطائفيّته ووطنيّته ونزوعه إلى الحداثة والعصرية. فقطعه مع اليساريّة، لم يعده إلى الإقطاع والإقطاعيّة، ونقده "وطنيّة الحرب وأحزابها" لم يفضِ به إلى المذهب والمذهبيّة وثقافة ما قبل الدولة والوطن. وسواء اتفق المرء معه أم اختلف لا بد من القول إن نصير الأسعد واجه الظروف التي فرضت عليه معاناة خاصّة مؤثراً أن يعلن خياره بشفافيّة. وتلك الشفافيّة، إضافة إلى قناعاته وحرّية رأيه، هي ما جعل مصيره ومحطّاته خياراً لا وظيفة.

هكذا، عرف نصير الأسعد أن يكون ذا نكهة خاصّة، أينما حل، وفي مراحله المتعددة وتحوّلاته الثقافيّة والسياسيّة. نكهة خاصّة مكوناتها الرفيق والبيك، الثوري والدولتي، المثقف والسياسي، الأصيل والمعاصر. ودائماً دائماً الإنسان الذي يعفي نفسه من لسانه كي يمرر ما تبقى من الحياة. و"لأن الأمور لا تستحق يا صديقي".

المصدر:
السفير

خبر عاجل