مصالحة الشمال" إنجاز من أجل مشروع الدولة في لبنان
الحريري يسحب ورقة طرابلس من طاولة المقايضة السورية
بعد زيارته إلى موسكو في العشرين من آب الماضي، بدا بشار الأسد كمن يريد التعلّق بأي شيء ليعيد تعويم نظامه الغارق في مخاوفه وتناقضاته.
الغريق يتعلق بقشة
لم يخفِ الرئيس السوري الشاب رغبته في اقتناص أية فرصة تعطيه بعض الثقة، ولو كانت في أوسيتيا الجنوبية.. على قاعدة أن الغريق يتعلق بقشة. في زيارته تلك عرض الأسد على القيادة الروسية عرضاً مضحكاً يقضي بنشر صواريخ روسية متقدمة في سوريا، وبما أن الروس لم يهتموا لهذا العرض، وبما أن الأميركيين "نصحوا" الأسد بـ"ألا يحشر أنفه في صراعات الكبار"، فقد اضطرت دمشق لنفي العرض، فبقيت "قصة الصواريخ" محاولة غبية من بشار الأسد لتكبير حجم المشكلات في الشرق الأوسط، وتالياً تكبير أثمان حلها، وصولاً إلى التخلص من المخاطر التي تحيق بالنظام القائم في سوريا اليوم.
بعد نحو أسبوعين على هذه المحاولة الفاشلة، وفي غمرة فرحة بشار الأسد بفك جزء من العزلة المفروضة على نظامه بحضور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قال الأسد: "إن أي شيء إيجابي في لبنان لا قيمة له من دون حلّ مشكلة التطرف والقوى السلفية في شمال لبنان"، مؤكداً "أن هناك دولاً تدعم هذه القوى بشكل رسمي".
كلام الأسد أحرج الفرنسيين الذين لم "يفتحوا على دمشق" إلا بعدما وافق الأسد على فتح سفارة له في لبنان، كما أحرج القطريين الذين لم يسعوا الى فك العزلة السياسية عن نظام الأسد إلا بعدما أسهم الأخير بفك العقدة السياسية في اتفاق الدوحة، والأهم أن كلام الأسد كشف للعلن أمران، أولهما أن ما يقوم به نظامه من خطوات "إيجابية" في لبنان إنما يأتي اضطراراً وليس اختياراً، وثانيهما أن الرجل لم ينزع من رأسه فكرة العودة العسكرية إلى لبنان لألف سبب وسبب بغض النظر عن مدى إمكانية هذه العودة. ولعلّ توضيح هذه النقطة الأخيرة قد تـُرك لـ"الإعلام السوري" في لبنان وسوريا الذي أبدى "تفهّمه" للتدخل الروسي لحماية الأقلية الروسية في أوسيتيا و"للقضاء على الدور الإسرائيلي في الأزمة"، ليبرّر لاحقاً تدخلاً سورياً محتملاً في شمال لبنان "لحماية الأقلية العلوية وللقضاء على التطرف الإسلامي المدعوم سعودياً". وعلى الرغم من أن المقارنة فاسدة من أوجه عدة، فقد صبّت على "نار" الاضطراب في الشمال "زيتاً" فتنوياً صافياً.
بناء حالة الاضطراب في الشمال
بالتوازي مع محاولة بشار الأسد الإيحاء بأن طرابلس باتت معقلاً للتطرف الإسلامي.. المدعوم إقليمياً، كان حلفاؤه ومخابراته يستفيدون من أي شيء لبناء "حالة الاضطراب في الشمال" تمهيداً لجعله جسراً يعبر عليه الجيش السوري متوسلاً شعار القضاء على الإرهاب.
في بيروت سمع المسؤولون اللبنانيون كلاماً مصرياً وسعودياً يؤكد هذه المخاوف التي أحس بها أهل طرابلس بلا شك، لا سيما أنهم كانوا يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم محاولات "تسمين" السلفيين وصبغ طرابلس بهم وزرع الفتنة بينهم وبين الجيش اللبناني، كما أنهم كانوا يلاحظون ـ ككل اللبنانيين ـ كيف أن "الإعلام السوري" بدأ يتعامل مع العلويين كأنهم جالية سورية مضطهدة في لبنان، وكأن حمايتهم لا تكون إلا من وراء الحدود.
في السياق نفسه كانت قد سُجلت في الأسبوعين الماضيين معطيات ميدانية لافتة، إذ قبض الجيش اللبناني على مجموعة من السنّة والعلويين يجمعهم هدف واحد هو إلقاء القنابل الليلية في باب التبانة وأحياناً في جبل محسن، لتوتير الأجواء واندلاع اشتباكات جديدة. كما سرت شائعات مفبركة في الشارع الطرابلسي تصنّف ضباط الجيش في الشمال مع هذا الطرف أو ذاك، وشائعات أخرى تهدف الى ضرب السلفيين بالجيش. وقد غذّى هذه الشائعات الكلام الإعلامي الكثيف عن التسلّح في طرابلس من شخصيات سياسية رفيعة كالرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون وآخرين.
كما سُجلت محاولات جدية لنقل الفتنة إلى عكار عبر توتير الأجواء بين عدد من القرى العلوية المتاخمة للحدود السورية والقرى السنية المجاورة، كان أهمها ما جرى في بلدة الشيخ لار حيث استغل مسلحون "مجهولون" خلافاً قديماً حول عقار وقفي في البلدة، فنصبوا يوم الأحد في الحادي والثلاثين من آب كميناً لإمام مسجد بلدة جديدة عيدمون العكارية وقتلوه، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة. وكانت أكثر من جهة عكارية قد أكدت مشاهدتها تحركات مريبة لعناصر من حزب "البعث" و"الحزب السوري القومي" فضلاً عن تحرّك عدد من الشباب العكاري ممن يدين بالولاء إلى "الحزب العربي الديموقراطي" برئاسة النائب السابق علي عيد، وقد قابل ذلك، استنفار مجموعات مضادة بدعوى الدفاع عن عكار وأهل السنة.. فبدت المنطقة وكأنها على فوهة بركان ينتظر حادثاً لينفجر.
..والحريري يبني حالة تصالحية
لا شك أن المعطيات سالفة الذكر كانت وراء قرار النائب سعد الحريري المفاجئ الانتقال إلى عاصمة الشمال يوم الأحد الماضي. هناك تعرّف الحريري على تفاصيل الأنباء التي كانت ترده إلى قريطم. ومن هناك أطلق الحريري جملة مواقف عناوين، إذ شدد على أن العلويين أشقاؤنا في الدين، وشركاؤنا في الوطن، وأن الدولة وحدها تحمي الجميع، وأن لا تراجع عن مشروع الدولة الذي استشهد من أجله رفيق الحريري، وأن لا للتسلح تحت عنوان الدفاع عن النفس.
بطبيعة الحال، فقد أراد الحريري سحب ورقة العلويين من أيدي النظام السوري وحلفائه، وهو أمر لم تكن تنقصه سوى طمأنة هؤلاء بخطوات عملية بأن لهم دولة تحميهم، كما تحمي الجميع، وبأن أهلهم وأقاربهم اللبنانيين في طرابلس وعكار هم أقرب إليهم من النظام السوري وحلفائه، بالرغم من موجة الاقتتال الأخيرة، وأن على العلويين في الشمال، كما السنّة، أن يساعدوا أنفسهم لئلا يتحوّلوا إلى صندوق دائم لبريد الدم المحلي والإقليمي.
الحريري نجح في مسعاه، فجمع المتقاتلين في باب التبانة وجبل محسن، وحصّن باتفاقهم الشمال أولاً، ولبنان ثانياً، فضلاً عن تهدئة التوتر المتصاعد بين النظام السوري والمملكة العربية السعودية انطلاقاً من ملفات عدة، شكّل الوضع في الشمال واحداً منها. وفوق ذلك كله، فقد أكد الحريري مرجعيته السياسية للسنّة، موظفاً ثقله السياسي بما يخدم لمّ شمل هذه الطائفة "المستهدفة".
وعلى الرغم من إشادة جميع القوى السياسية بالمصالحة في طرابلس، فإن ثمة "إعلاماً سورياً" لم يكن مرتاحاً، فراح يروج ابتداءً أن انتقال الحريري إلى طرابلس يهدف الى "القوطبة" على الرئيس فؤاد السنيورة الذي أطلق ستة مسارات للإصلاح في طرابلس قبل أيام، لكن هذه الدعاية بدت متهافتة بشدة لأن السنيورة كان في قلب الحركة السياسية في الشمال، وهو الذي رعى لاحقاً حفل التوقيع على وثيقة المصالحة!. لأجل ذلك تركّزت الانتقادات اللاحقة على نغمة تعزف عليها "الأوركسترا السورية" منذ مدة، ومفادها أن الحريري لم يعد الزعيم الأوحد في الشمال، وأنه يعاني نزيفاً شعبياً، تارة لصالح "حلفاء سوريا في طرابلس"، وتارة لصالح السلفيين، وتارة ثالثة لصالح ألوان أخرى من قوى 14 آذار في المدينة، ثم جاءت وثيقة المصالحة في دارة المفتي مالك الشعار لينسج عليها هؤلاء أوهاماً حول موقع المفتي الشعار ودوره، وكأن الشعار، ـ وهو من المفتين الممتازين ـ، قد صار مفتياً بغير مباركة الحريري ودعمه، أو لكأنه يسير في خط معاكس للمسار العام للسنّة في لبنان بعد الرابع عشر من شباط 2005، وهو القائل قبل أيام على توقيع وثيقة المصالحة أمام السفير السعودي: "إننا نقاوم معركة الوجود السنّي ـ الإسلامي، وهويتنا العربية مهددة بالأفول، ووجودنا في لبنان هويته مهددة.. وكلّ السنّة في المنطقة يشعرون بسندٍ بوجود مملكتكم (اي المملكة العربية السعودية)، ولا قدّر الله، إذا كسرت شوكة المدينة، فذلك ينذر بزلزال كبير للوجود السنّي في لبنان والمنطقة المجاورة.. وستكون النهاية هي التي يعمل لها الآخرون من أجل طائف جديد تختل فيه التوازنات السياسية في لبنان".
الكل رابح لكن "الفطريات السياسية" قلقة
لا شك أن الجهود التي قادها الشيخ سعد الحريري، وأسهمت فيها مختلف القوى ذات الحيثية التمثيلية في الشمال، بغض النظر عن حجمها وموقفها السياسي، قد جعلت من طرابلس خصوصاً ولبنان عموماً، أقل اضطراباً، وبالتالي فإن الفائدة عمت أهالي طربلس والشمال، ولا سيما أبناء الطائفتين السنية والعلوية، كما أنها شملت كل القوى السياسية التي وقّعت على وثيقة التصالح، إذ يكفي النائب الحريري أنه أحبط مخططاً سورياً للعودة إلى لبنان من بوابة الشمال، وأنه ضمّد جرحاً غائراً بين السنة والعلويين، وأنه لمّ شمل القوى السنية في طرابلس، لما فيه صالح المدينة ولبنان، وأنه حيّد بعض "الطفيليات السياسية" التي تعيش على دماء أبناء الشمال، إذ لولا الاضطراب والفتنة لما كان لهؤلاء دور، أو سُمع لهم ذكر، ولهذا السبب حاول "أحدهم" افتعال التوترات الميدانية، لدرجة أنه تذكّر الحرمان في الشمال، فأنزل "البعض" إلى الشارع، ليعترضوا موكب النائب أحمد فتفت في غمرة الجهود التصالحية، ما أدى إلى إطلاق نار وجرحى!!.
الأرباح السياسية والأهلية لم تقتصر فقط على الحريري، إذ تكرّس الدور المرجعي للنائب السابق علي عيد وابنه رفعت لدى الطائفة العلوية، واستعاد الرئيس عمر كرامي بعضاً من رصيده المهدور في عاصمة الشمال، وشعر الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي بأن الاتفاق يصب في إطار نهجهما الداعي إلى الحوار أساساً، وارتاحت القوى الإسلامية في الشمال من كابوس العام 1986 الذي بدا وكأنه يوشك على التكرار، وأثبت السلفيون أنهم ليسوا عنواناً للإرهاب كما كان يروج النظام السوري، بل إنهم مع الحوار، وقد عملوا على تسهيله، كما عملوا سابقاً على تأمين الدعم المعنوي المطلوب للقضاء على الإرهاب الحقيقي المصدّر إليهم من خارج الحدود باسم الإسلام، فضلاً عن توحدهم في دعم التصالح، بعد الانقسام الذي أعقب توقيع بعضهم وثيقة لم تعمّر مع "حزب الله".
لكن هل تؤسس هذه المصالحة لتبريد الاحتقان المتصاعد بين السنة والشيعة في لبنان؟. ثمة مجازفة كبيرة في ادعاء ذلك، فالمصالحة في طرابلس "فكفكت" لغماً كبيراً، لم يكن من مبرر منطقي ليكون أساساً، لولا جهود الشر الهائلة الموجهة لتسميم الأجواء في الشمال، واستعماله من البعض في لبنان وخارجه كساحة لتسجيل النقاط، منذ أن شكّل رافعة للأغلبية النيابية بزعامة سعد الحريري. أما التقارب بين "حزب الله" وحركة "أمل" من جهة، و"تيار المستقبل" وحلفائه السنّة من جهة أخرى، فموضوع يحتاج إلى سياق آخر، يبدأ بالاتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية"، ثم ينتقل إلى الحوار المباشر، من أجل التفاهم على حد أدنى من القواعد السياسية المشتركة، ولا ينتهي قبل فترة غير يسيرة من العلاج ومحاولة نسيان الماضي من "الطرفين"، وليس أدل عى ذلك إلا التوترات المتنقلة بين الطائفتين في غير منطقة من لبنان قبل مصالحة الشمال وأثناءها وبعدها.