كتب الاب جورج دابلة مدير مدرسة مار يوحنا خربة قنافار:
تحمي العذراء مريم هذه المدرسة. تبدو من بعيد متواضعة. هي كذلك، لكن ما يجري في الداخل يناقض نوعا ما، ما يتراءى للعيون من الخارج. هي مدرسة مار يوحنا في قرية خربة قنافار في قلب البقاع الغربي.
عبرت السنون بالمدرسة، وعبر بها بالكثير من المصاعب. الحرب، دائما الحرب تركت في المكان آثارها كما فعلت في كل لبنان، وخصوصا في المؤسسات التربوية. قبل العام 1958، كانت القرية بلا مدرسة ، وكان على اهلها الذهاب الى قرى اخرى مجاورة او الذهاب الى زحلة لتلقي العلم . ينتظرون البوسطة الى قارعة الطريق تحت الشمس أو تحت المطر، وأحيانا يذهبون سيرا عند من يتعذّر عليهم دفع اجرة البوسطة، أي بالكاد خمسة قروش، ومنهم من كان لا يذهب على الاطلاق لضيق الحال. لم يعجب هذا الوضع الابونا يوحنا شديد، فقرر بعدما اصبح مطرانا ونائبا بطريركيا عاما للرهبنة المارونية المريمية، انشاء مدرسة خاصة مجانية يشرف عليها الرهبان، تلمّ شمل طلاب القرية وخصوصا المحتاجين منهم، وايضا طلاب القرى المجاورة. والاهم الاهم، تثبت مسيحيي الاطراف في قراهم بدل نزوحهم بالمئات الى بيروت طلبا للعلم. وهكذا كان.

لم يعرف المطران شديد يومذاك، ان المدرسة الصغيرة المتواضعة ستصبح مع الوقت وبسرعة كبيرة، قبلة انظار القرى المحيطة كافة. من نحو ثلاثين طالبا توسعت المدرسة مع السنين فاصبحت تستوعب 400 طالب في الابتدائي والمتوسط ومن الطوائف كافة.
لكن لم تكن الايام وردية كما توحي الصور والكلمات. دخلت المدرسة في معمعة السياسة. حاول كثر الهيمنة عليها. حاول بعضهم تطبيعها. هي مدرسة متمايزة في منطقة بعيدة نسبيا عن مراكز القرار وحماية الدولة المباشرة، والدولة كانت في غياب. البقاع الغربي بعيد نسبيا عن بيروت. ايام الحرب كانت لغة التهديد هي الاقوى. خافت المدرسة ولم ترتعب. اكملت الرسالة باقل أضرار معنوية ممكنة. اهتزت الثقة ولم تقع. كان يجب ان تكمل المدرسة الدرب رغم كل المعوقات. دخل دخلاء على خط العلم والهوية والانتماء اللبناني الصميم. تسلحت المدرسة بالايمان وواجهت سطوة الزمن، بسلاح الايمان والاصرار على المضي بهوية المدرسة المارونية المريمية والانتماء اللبناني الصرف.
كانت اوقاتا صعبة. لكن الله لا يترك مؤمنيه.

في قلب سهل البقاع الغربي، تنسج مدرسة مار يوحنا اجيالا، لا تقف على الخيط الرفيع حين تواجه المشككين بانتمائها، لا تقف على الخيط الرفيع حين تنافس الكثير من المدارس المحيطة بمستواها العلمي العالي، حين تمد يد المساعدة ولا تسأل عن طائفة او لون او دين. لا خيوط رفيعة هنا بل مواجهة بالايمان والعلم. هي تعاني كما غالبية المدارس الخاصة المجانية، وخصوصا في المناطق البعيدة نسبيا، تعاني من التأخير المتواصل للحكومات المتلاحقة، بتسديد المنح الدراسية التي تشكّل العمود الفقري لموازنة المدرسة، ما يدفع الرهبنة المريمية للتدخل دائما لسدّ العجز، وانتشال من يعجز عن تسديد فاتورة العلم المرتفعة في أرض الحرف، وفاتورة الانتماء اللبناني الصميم في أرض تتناسى غالبا مواطنيها.
لكن المدرسة تناضل، تقف على الخيط الرفيع، حين تشعر ان عليها مواجهة ما يجري من محاولات خرق للخطوط الحمر لهوية أهل المكان، لانتمائهم المسيحي الحر، لتعلقهم بالارض التي احتضنت شهداء المسيحية على مر السنين.

نحو 400 طالب في مدرسة نتائجها في الامتحانات الرسمية دائما مبهرة، لكن هل يكفي النضال الفردي، لتتمكن مدرسة مار يوحنا، كما سواها من عشرات المدراس المتناثرة على طول سهل البقاع، لمقاومة النزوح المسيحي عن المكان من جهة، ومواجهة التغيير الديمغرافي في ارض هي بالاساس ارض قديسين وشهداء للكنيسة؟


