#adsense

الصحافة

حجم الخط

الصحافة

اللقاء التضامني مع حرية الاعلام الذي دعت اليه "مؤسسة حقوق الانسان والحق" ذات الصدقية في مراحل معقدة اجتازها لبنان ولا يزال، كان موفقا في مكانه وهو "مركز مؤسسة سمير قصير" في الاشرفية. أما من حيث نتائجه فالامر يحتاج الى تفكير.

ومحرّك اللقاء المواقف الحادة التي أطلقها رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب العماد ميشال عون في حق صحيفتي "الاوريان لوجور" و"المستقبل". الاولى نالها من العماد عون مطالبة باحالتها على التحقيق على خلفية استباقها التحقيق كما قال باتهامها "حزب الله" بقتل النقيب الطيار الشهيد سامر حنا بـ"دم بارد". والثانية لحقها من العماد عون هجوم غير مسبوق في مفردات الانتقاد عندما نعتها بـ"الدعارة الاعلامية".

وقد عُرض في المناسبة شريط تلفزيوني يتضمن مقتطفات من اقوال تفوه بها عون في مراحل عدة تعود الى اواخر الثمانينات من القرن الماضي وحتى الآن وكلها تعتمد الاسلوب الفظ في التعامل مع الصحافيين والمؤسسات الاعلامية على حد سواء.

التغطية الاعلامية لم تكن شاملة، مثلما كانت المشاركة في اللقاء غير مكتملة. انه مشهد الانقسام الذي يتكرر مرات عدة منذ انقسم لبنان في ساحتين بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. ولو كانت وسيلة اعلامية أو أكثر من وسائل المعارضة قد تعرضت لهجوم حاد من احد اقطاب الاكثرية لكان مشهد التغطية مماثلا لجهة الانقسام.

إنها أزمة بلا ريب لكنها في الوقت نفسه أزمة وطن تتجلى على كل المستويات، والاعلام واحد من هذه المستويات ومرآة لها. ولكن مع ذلك، هناك نوافذ ضوء لا تزال مفتوحة وستستمر ما دام هناك احرار في مؤسسات حرة يكابدون الضغوط التي بلغت حد الاغتيال ومحاولات الاغتيال. ولقد نال "النهار" قسطا وافرا في مرحلة خروج لبنان من الوصاية السورية بدءا بمحاولة قتل احد اركانها النائب مروان حماده خريف عام 2004. وهذه كانت بمثابة انطلاق اعصار الاغتيالات الذي غيّر وجه لبنان مرورا باغتيال الزميل سمير قصير وصولا الى النيل من رأسها الشاب جبران تويني.

أما إعلام "المستقبل" فكان الامتحان الأعنف له باغتيال الرئيس رفيق الحريري. ثم كانت تجربة 7 أيار الماضي المرّة على يد "حزب الله" وحلفائه عندما تعرضت الجريدة للحرق وتلفزيون "المستقبل" للتعطيل بالقوة مع حرق أحد مبانيه في منطقة الروشة.

غير ان اللبنانيين ردوا، كما ردوا في محطات عدة، باحتضان منابرهم الاعلامية يقوون من عزيمتها، ويمنحونها القوة. وهذا ما تجلى في المسيرة الشجاعة التي قام بها الاعلاميون من مختلف المؤسسات والاتجاهات يوم الاحد في 11 ايار الماضي وامتدت من ساحة التباريس الى مبنى تلفزيون "اخبار المستقبل" في القنطاري تضامناً، وكانت بيروت لا تزال في دائرة الخطر.

في تجربة مهنية تبدأ منذ عام 1975 وحتى اليوم، مراحل حافلة بالعنف ضد الاعلام. وكان أول ما فعله الجيش السوري عندما استتب له الدخول عام 1976 اقتحام مباني الصحف وفي مقدمها "النهار"، وسائر وسائل الاعلام. وفعل مثله الى حد كبير الجيش الاسرائيلي عام 1982 في الشطر الغربي لبيروت مثلما فعل في حرب تموز عندما دك من الجو مقر تلفزيون "المنار" التابع لـ"حزب الله" في ضاحية بيروت الجنوبية.

ولا ننسى ايضاً ممارسات الفلسطينيين عندما كانت لهم دولة في لبنان في السبعينات، وقد اختطف في ظلها أحد اركان "النهار" ميشال أبو جودة.
لكن النظام السوري يبقى صاحب الرقم القياسي، ولا يزال، في قتل الصحافيين او محاولة قتلهم مباشرة او بالواسطة على امتداد هذا التاريخ.

واذا كان مفهوماً ان تحاول قوة خارجية، سورية كانت أم اسرائيلية أم فلسطينية أن تمارس العنف ضد اعلام لبنان الذي تريد أن تخضعه، انما غير مفهوم ان تحاول شخصية او فئة لبنانية ممارسة مثل هذا العنف. اذ سيأتي يوم سيتبين فيه ان من يمارس العنف قد يصبح ضحيته، وسيحتاج الى من يتضامن معه. وتحديداً ممن يتعرض اليوم لعنفه. ولقد حصلت مثل هذه التجارب بالفعل ومع العماد عون نفسه عندما هُزم عسكرياً على يد الجيش السوري عام 1990 وانتقل الى المنفى حتى عام 2005. ويا ليت "التيار الوطني الحر" يقوم اليوم باعداد شريط وثائقي حول تضامن الاعلام معه على مدى 15 عاماً. اننا ننتظر هذه المبادرة منه ومن "حزب الله" ومن كل الذين يشعرون اليوم بالقدرة على النيل من الاعلام. انها قدرة لن تدوم. لكن بالتأكيد ستدوم قدرة الاعلام وحريته.

المصدر:
النهار

خبر عاجل