غسان، لم تكن بالنسبة لي شخصاً او بالنسبة لنا عموماً في اسرتيك العائلية والمهنية، مجرد رائد في الصحافة الحديثة او معلماً في الادبيات السياسية او استاذا في الديبلوماسية المبدعة.
ابن النهضة الكبرى كنت الربيع الذي سبق الربيع، لبنانياً وعربياً: مهّدت له، كتبت عنه، بشّرت به، ناضلت من اجله، سجنت بسببه ودفعت الثمن الغالي بل الباهظ دماء ودموعاً، لبزوغه.
كنت انساناً مرموقاً، رقيقاً، مؤمناً حكيما، عابراً للعقائد والمعتقدات والمتاريس والحدود، متشبعاً الديانة المسيحية، مدركاً للآفاق الاسلامية، متجذراً في الفلسفة الاغريقية.
كنت بنّاء من الطراز النادر: تبني الصروح الاعلامية في العاصمة المنارة وتطلق مشاريع نموذجية في الجنوب الصامد. تطل من المنابر جميعها: من افتتاحية "النهار" الى مؤلفات دارك، الى مقاعد الوزارة. ومن رواق المجالس، الى منصة الامم المتحدة، تتبوأها بسهولة المبدع وثقافة العالم وجرأة الرجل الرجل.
لم نكن دائما يا غسان في نفس الرأي او الموقع. لكن الولاء الشخصي المتبادل المطبوع بروحية "نهارك" والمسقى بحنان ناديا كان الغالب المستمر الذي جعل منك الأب الرديف والاخ القريب والمعلم الدائم، وفوق ذلك كله رفيق المآسي المشتركة منذ وقفنا امام فراش نايلة المحتضرة او مدفن ناديا الاخضر او عناية مكرم الفائقة او سيارة جبران المفجّرة.
طبعاً لم تجمعنا فقط المصيبة. جمعتنا ريادتك الدائمة من درج "نهار" سوق الطويلة والاخبار التي كان يستقيها المرحوم ميشال أبو جوده من إذاعة الشرق الأدنى لترسلها حروفاً مرصوصة للطباعة، الى بناية الحمراء والتحرير على ضوء الشموع مع فرنسوا وادمون واميل والياس إبان حرب السنتين، الى صرح ساحة الشهداء الذي أراده الشهيد جبران ودشنه قبل الرحيل.
من فيتنام الى الخليج، من يوغوسلافيا السابقة الى عواصم أوروبا الى نيويورك التي كنت تتواصل منها معي، وأنت في مجلس الأمن وأنا المحاصر مع حكومة لبنان تحت النار الاسرائيلية.
أما ذكريات الاشرفية وزلزال 1956، وبيت مري حيث حجارة بعقلين وأبوابها المنحوتة تتزاوج في عمارة "بيت الشاعر"، فتلتقي مع محطات بيروت النضال في اجتياح "الردع" للنهار وزميلاتها وباريس المنفى والملاذ من ديكتاتورية الوصاية ونيويورك الصرخة من أجل شعب لبنان. فكلها تشكّل قطعة قطعة الذاكرة المشتركة التي جعلتك قبل أن نتعرف اليك، نائباً للشوف ثم نكتشف بعد المصاهرة انك رجل لكل لبنان.
أتذكر يا غسان من حيث أنت الكتاب – المرافعة الذي وجهه والدي محمد علي الى جدتي الست هند للدفاع عن "الزواج المختلط" الذي جمعك وناديا في قفص لم يكن دائماً ذهبياً بل أقرب الى الفولاذية الناعمة.
لم تذهب بك يوماً الرياح العاتية. لم تطح بك الاعاصير: لا سجون الدولة الغبية ولا تهديدات الانظمة الظالمة ولا محاولات نسف منصتك الخطابية خلال حملة انتخابية ولا احتلال مؤسستك وطردنا منها بأعقاب البنادق على نغمة "برّا يا…"، ولا حملات التطويق الاعلانية والمالية، ولا مسلسلات التجني كلما انتقدت حاكماً فاسداً ونقلت كتابة عن الشعب: "بدنا ناكل جوعانين".
اغتالوا سمير وجبران ولم تركع. قتلوا قبل ذلك اصدقاءك كمال جنبلاط ورنيه معوض ورفيق الحريري، وأبعدوا ريمون اده وصائب سلام ولم تلن. اقتروا مجزرة بحق الصحافة الحرة من كامل مروة، الى نسيب المتني، الى سليم اللوزي، الى رياض طه ولم يجف قلمك.
هل انت ملحمة، خرافة، موسوعة، مسلسل تاريخي وانساني لا مثيل له؟ّ! ربما كل ذلك معاً.
غير انك مع ذلك انسان قاوم المرض بشجاعة فائقة. بكيت احياناً لكننا كنا نعلم ان وراء صمتك المدوي كانت الدموع تذرف في الحقيقة على حال لبنان المأسوية وشهداء الربيع العربي.
آخر كلمة قلتها لنا وانت شبه مشلول على فراش الموت: "بكرا الاثنين في افتتاحية، اعطوني القلم…" الافتتاحية الاخيرة لم تكن منك. كانت عنك وكتبتها نايلة بقلبها وبدموعها ومعبرة عن الأمل بأن "نهار" الألفية الثانية الذي صاح ديكها من الاعالي في كل اتجاه ستبقى امينة على الحرية ساعية الى الحداثة، ملتزمة رسالتك.
وان عائلتنا المعبرة والعابرة ستبقى حول شاديا ومعها عنواناً للوحدة والتفاني والوفاء.