قلة قليلة فهمت سبب مقاطعة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع مؤتمر الحوار، هي التي اعادتها إلى حرية الرأي والتصرف والنظرة الى العقد التي تعترض حقيقة التفاهم على سياسة الدولة. وكان الأجدى بمن إعترض على تصرف جعجع أن يفصح عما إذا كان هو قد تغير كي يتهم سواه بأنه عرقل التفاهم. وهذا ينطبق تلقائياً على حزب الله بعكس ما تردد عن جهات أخرى فهمت موقف القوات على غير الإستقلالية التي يصر عليها!
وما يدعو الى التساؤل وبإلحاح غير تصرف القوات، أي البقية الباقية من منظومة السياسيين الذين يصرون على إبداء رأي مغاير، من دون أن يكون رأياً فلسفياً- صوفياً طالما أن القصد منه تكرار معزوفة الشروط التي طبعت المراحل السابقة للحوار ولما كان يقال على المدى الطويل من أن سلاح المقاومة وجد ليبقى، ربما في ذلك التمسك بمقولة الجيش والشعب والمقاومة. وهذه بدورها لم يعد أحد في وارد العمل بموجبها كونها تجسد التمسك بالخطأ كي لا نقول حقوق البعض في حرية التصرف، لاسيما إن حزب الله هو المطالب بتغيير نهجه ليس باتجاه مهادنة اسرائيل، بل باستيعاب ما هو مطلوب لبنانياً لإنقاذ البلاد أولاً ومن بعد ذلك البحث في المخارج السياسية!
وعندما نقول حقوق حزب الله، فلأننا نعرف إنه إكتسبها بوسائل غير سياسية، وإلاّ ما معنى استخدام سلاح مقاومته في الأمور الداخلية، فضلاً عن إستخدامه في الأمور المتنازع عليها داخلياً، أي أن هناك أكثر من رأي واحد من الواجب الأخذ به قبل التوقف عند ما يرضي الحزب وحلفائه الذين ينظرون إلى سلاح المقاومة وكأنه حاجة شخصية. وإلاّ ماذا يمنع هؤلاء من المشاركة في مقاومة العدو الإسرائيلي متكلين على أنهم كانوا سباقين في ذلك مثل الحزب القومي والحزب الشيوعي وحركة «أمل» وبعض التنظيمات التي إتكلت على سلاح حزب الله في الآونة الأخيرة لتدعي لنفسها ما لا طاقة لها على الخوض فيه!
لذا، فإن أهمية الحوار تكمن في وجود مجموعة أراء متعارضة ومتناقضة في وقت واحد، الأمر الذي يطرح علامات إستفهام بالنسبة إلى من يدعم سلاح حزب الله، فيما يفتقد هو شخصياً أي نوع من أنواع السلاح حتى ولو كان المقصود السيطرة على الشارع الشيعي بشكل مطلق وبعكس ما هو قائم في الشارع السنّي والشوارع المسيحية الأخرى، ولكن ما يدعيه رئيس التيار الوطني العماد المتقاعد ميشال عون الذي عرف كيف يستفيد من حزب الله أكثر ما إستفاد الحزب منه، باستثناء مزاعمه الفارغة من أي محتوى وطني؟!
وما يقال عن سلاح حزب الله، يقال مثله وأكثر عن الأموال التي يغدقها من يهمه الحزب على آلاف العائلات بوجه غير حق طالما أن مصدرها غير واضح المعالم أو إنه واضح كفاية لإتهام الإيرانيين بتأمينه مقابل مصالح سياسية ومذهبية من المستحيل إنكارها (…) وهناك من يجزم بأن إنضباطية عناصر حزب الله لم تكن لتتأمن لولا الأموال الإيرانية التي يصفها سماحة السيد حسن نصرالله بأنها أموال نظيفة حتى وإن كان يعرف أن طهران تعرف وجميع أعداء لبنان وأصدقائه أن المال الإيراني يزيد في متاعب لبنان الداخلية والإقليمية.
وليس من ينسى العلاقة الإيرانية – السورية التي تملي على حزب الله إتخاذ مواقف محددة من التطورات الإقليمية والدولية، إضافة الى حاجة الحزب الى النظام السوري وحاجة الأخوان في سوريا الى من يستخدمونه في الداخل اللبناني ليمنع عنهم بعض مشاكلهم الداخلية والخارج، على رغم معرفة الجميع بالتنسيق القائم على أعلى المستويات بين كل ما له علاقة بمشاكل سوريا وبمشاكل حزب الله ومعه إيران!
ما يستدعي التساؤل في هذا الصدد، ماذا بإمكان مؤتمر الحوار ان يتخذه من إجراءات ومن تصرفات لا تنسجم مع الواقع اللبناني، في حال إستمر الوضع على ما هو عليه في سوريا (…) وفي حال استمرت إيران على طرفي نقيض مع المجتمع الدولي على خلفية ملفها النووي الذي تتلاعب به أميركا والدول الأوروبية، كونه يحك على الجرح الإسرائيلي غاية الغايات حيث لا يستبعد أحد أن تتطور النظرة إليه إلى حد إشعال حرب عالمية ثالثة تأخذ أخضر المنطقة العربية ويابسها إلى المجهول؟!