الثّلاثاء الثّالث من زمن العنصرة
قراءةٌ منَ القدِّيسِ غريغوريوسَ النَّزينزيّ (+390) عملُ الرُّوح متنوِّع (خطبة 31/28-29)
إِذا سلَّمنا بأَنَّ الرُّوحَ ليس لهُ أَن يُمجَّد، فكيفَ يُؤَلِّهُني؟
وإِذا وجبَ لهُ التَّمجيد، فكيفَ لا يكونُ أَهلا للعبادة؟
وإِذا كانَ أَهلًا للعبادة، فكيفَ لا يكونُ إِلٰهًا؟
كِلا الأَمرينِ معقودٌ بٱلآخر. إِنَّها حقًّا لسلسلةٌ ذهبيَّةٌ وخلاصيَّة. فمنَ الرُّوحِ يأْتينا التَّبنِّي، ومنَ التَّبنِّي نستعيدُ حالتَنا الأُولى، ومنها نعرفُ الَّذي أَعادنا.
قيلَ فيه: روحُ الله، روحُ المسيح، روخُ السَّيِّد، السَّيِّدُ في ذاتهِ، روحُ التَّبنِّي والحقِّ والحرِّيَّة، روح الحكمةِ ومخافةِ الله. فهو صانعُ جميعِ هٰذه.
إِنَّهُ مبدأُ الكلِّ بجوهرهِ، يستوعبُ الكلَّ، يملأُ العالمَ جوهرهُ، لا يحدُّ العالمُ قدرتَهُ. إِنَّهُ صالحٌ ومستقيمٌ ومرشد، مقدَّسٌ بطبيعتهِ لا بصفةٍ تُضافُ إِليه. يقيسُ ولا يُقاس، يُشتركُ فيه ولا يَشترك، يَملأُ ولا يُملأ، يَحتوي ولا يُحتوى، يُورثُ، يتمجَّد، يُذكرُ معَ الآبِ وابن. هو إِصبعُ الله، هو نار، مثلُ الله، ليدلَّ بحسبِ إِيماني على أَنَّهُ مُساوٍ لهُ في الجوهر.هو الرُّوحُ الَّذي يُبرىءُ كلَّ الخلائق، يُجدِّدُ بٱلمعموديَّةِ والقيامة. إِنَّهُ الرُّوحُ الَّذي يعرفُ كلَّ شيء، يُعلِّم، يهبُّ، حيثُ يشاء، مقدارَ ما يشاء. يُرشدُ، يتكلَّم، يُرسل، يُنير، يُميِّز، يغضب، يمتحن، يُوحي، يُلهم، يُخيي؛ هو بٱلأَحرى نورٌ وحياة، يجعلُنا هيكلَهُ، يُؤَلِّهُنا، يُبلِّغُنا الكمال، حتَّى إِنَّهُ يسبقُ المعموديَّة، ويتبعُها. إِنَّ لهُ كلَّ فعلِ الله، يُقسِّمُ أَلسِنَةً من نار، يُوزِّعُ المواهبَ الرُّوحيَّة، يَصنعُ رسلا وأَنبياء، إِنجيليِّينَ ورعاةً وملافنة.
الرّسالة: رسل 6: 1-12
الشّمامسة الأوّلون السّبعة
1 وفي تلكّ الأيّام، كانَ عددُ التّلاميذِ يتكاثر، فأخذَ الهلّينيّونَ يتذمّرونَ على العبرانيّين، لأنّ أراملهم كنّ يهملنَ في الخدمةِ اليوميّة.
2 فدعا اثنا عشرَ جمهورَ التّلاميذِ وقالوا: "لا يحسنُ بنا أن نتركَ كلمةَ الله لنخدمَ الموائد.
3 فٱبحثوا إذًا، أيّها الإخوة، عن سبعةِ رجالٍ منكم مشهودٍ لهم، ممتلئينَ من الرّوحِ والحكمة، فنقيمهم على هٰذه الحاجة،
4 ونواظبَ نحنُ على الصّلاةِ وخدمةِ الكلمة".
5 وحسنَ هٰذا الكلامُ لدى الجمهورِ كلّه، فٱختاروا إسطفانس، وهو رجلٌ ممتلئٌ منَ الإيمانِ والرّوحِ القدس، وفيلبّس، وبروخُس، ونيقانور، وطيمون، وبرمناس، ونيقولاوس وهو إنطاكيٌّ مهتدٍ إلى اليهوديّة.
6 وأقاموهم أمامَ الرّسل، فصلّوا ووضعوا عليهم الأيدي.
7 وكانت كلمةُ الله تنمو، وعددُ التّلاميذِ يتكاثرُ جدًّا في أورشليم، وجمعٌ كثيرٌ منَ الكهنةِ ينقادونَ للإيمان.
إسطفانس أمام المجلس
8 وكانَ إسطفانس، وهو ممتلئٌ منَ النّعمةِ والقدرة، يصنعُ عجائبَ وآياتٍ عظيمةً بينَ الشّعب.
9 فقامَ أناسٌ منَ المجمعِ المعروفِ بمجمعِ المعتقين، ومن سكّانِ قيروان، والإسكندريّة، وآخرونَ من قيليقيةَ وآسيا. وأخذوا يجادلونَ إسطفانس.
10 فلمْ يستطيعوا أنْ يقاوموا الحكمةَ والرّوحَ الّذي بهِ كانَ يتكلّم.
11 حينئذٍ دسُّوا رجالًا يقولون: "إنّنا سمعناهُ يتكلّمُ بأقولِ تجديفٍ على موسى وعلى الله".
12 وأثاروا الشّعبَ والشّيوخَ والكتبة، وباغتوهُ فٱختطفوه، وساقوهُ إلى المجلس.
شرح آيات الرّسالة:
1 رسل 2/41، 45؛ 4/35.
التّلاميذ: كان المسيحيّون الأوائل يُدعَون هٰكذا تشبُّهًا بمن تبع يسوع من تلاميذ.
الهلّينيّون …العبرانيّين: الهلّينيون يهود يعيشون خارج الأرض المقدّسة، ويتكلّمون اليونانيّة، ويملكون في أورشليم مجامع خاصّة، ويقرأون التّوراة في ترجمتها السّبعينيّة. أما العبرانيّين فيهود يعيشون في الأرض المقدّسة، ويتكلّمون الآراميّة، ويقرأون التّوراة في أصلها العبريّ، وفي مجامعهم الخاصّة. ٱنعكس هٰذا الوضع اليهوديّ على الجماعة المسيحيّة الأولى في أورشليم، وقد كانت في مجملها من أصل يهوديّ: ٱضطهد اليهود الهلّينيّون المسيحيّين الهلّينيّين (6/9)، وقام المسيحيّون الهلّينيّون بأوّل إنطلاقة للتّبشير بالإنجيل خارج فلسطين (8/4؛ 11/19-21). وكان لدى الهلّينيّين، يهودًا أو مسيحيّين، غيرة شديدة على التّوراة أو على الإنجيل.
2-3 خر 18/17-23؛ عد 27/16-18.
2 لنخدم الموائد: هي ٱهتمام بأمور الجماعة المَعاشيّة المشتركة بطعامها خاصّة، وبالعشاء الإفخرستيّ، وبتوزيع الأموال.
3 رسل 10/22؛ 16/2؛ 22/12؛ 1 طيم 3/7؛ 3 يو 12؛ رسل 6/10.
4 رسل 1/14؛ 2/42.
5 رسل 11/24؛ 2/11.
إسطفان ونيقولاوس: يخصّهما لوقا بأوصاف مميّزة: قد يكون دور إسطفان بين السّبعة كدور بطرس بين اثني عشر؛ ونيقولاوس أوّل متهوّد مسيحيّ ذكره العهد الجديد، وأوّل أنطاكيّ مسيحيّ (أنظر شرح رسل 11/28). وليس نيقولاوس هٰذا ذاك الّذي كان يعلّم في برغامس، ويناوئ يسوع في أفسس (رؤ 2/6، 15).
إسطفان… نيقولاوس: أسماء هٰؤلاء السّبعة يونانيّة، فقد يكونون هلّينيّين ٱختارتهم الكنيسة ليهتمّوا بشؤون إخوتهم المهمَلين في الخدمة. لا يدعوهم لوقا شمامسة (خدّامًا) لٰكنّه يشدّد على الخدمة. وهٰكذا صار للهلّينيّين نظام خاصّ في الجماعة المسيحيّة الواحدة، تحت إشراف الرّسل اثني عشر.
6 رسل 1/24؛ 13/3؛ 14/23؛ 1 طيم 4/14؛ عد 27/18-20.
وضعوا عليهم الأيدي: هي عادة يهوديّة عريقة (عد 27/ 18؛ تث 34/9)، وترد، في أعمال الرّسل، للخدمة العامّة (6/6)، ولإعطاء الرّوح القدس بعد العماد (8/17؛ 19/6)، وللشّفاء (5/12؛ 9/12، 17؛ 28/8)، وللرّسالة (13/3)، ويمكن أن تتمّ على أيدي الرّسل (6/3)، أو على أيدي مسؤولين رسميّين (13/1-3).
7 رسل 12/24؛ 19/20؛ 2/41، 47؛ 4/4؛ 5/14؛ 11/21، 24؛ 16/5؛ 21/20؛ روم 1/5.
8 رسل 2/43؛ 5/12؛ 14/3؛ 15/12.
إسطفان: أوّل الأسماء السّبعة، وأحظاها بٱهتمام لوقا في كتابه، وأكبرها دورًا في الشّهادة للمسيح (6/8-8/3). موقف إسطفان من الهيكل والتّوراة، وتفسيره لتاريخ الخلاص، دليل على هلّينيّته
9 المُعتَقين: هم من أسَرهم القائد الرّومانيّ بومباي، سنة 63 ق. م.، وساقهم عبيدًا إلى رومة. وكان لمن أُعتق منهم وعاد مجمعٌ خاصّ في أورشليم.
10 لو 21/15؛ رسل 1/8.
الإنجيل
يو 16: 12-15
12 لديَّ أُمورٌ كثيرةٌ أيضًا أقولُها لكم، ولٰكنّكم لا تقدرون الآن أن تحتملوها.
13 ومتى جاء روحُ الحقّ فهوَ يقودُ خُطاكم في الحقّ كلّه، لأنّه لا يتكلَّم بشيءٍ من عنده، بل يتكلَّم بكلّ ما يسمَع، ويُنبئُكم بما سيأتي.
14 وهوَ سوفَ يُمجِّدني لأنّهُ سيأخذُ مِمّا لي ويُنبِئُكم بهِ.
15 كلُّ ما للآب هو لي. لِهٰذا قلتُ: إنّهُ يأخُذُ مِمّا لي ويُنبِئكُم بهِ.
شرح آيات الإنجيل:
13 1 قور 3/1.
13 يو 14/17، 26؛ 15/26؛ 1 يو 2/27.
يقود خطاكم: حرفيًّا "يقودكم". عطيّة الرّوح القدس تمكّن التّلاميذ من فهم كامل للحقيقة الّتي تجلّت كاملة في ٱبن الله المتأنس. صلة الرّوح القدس باﮕبن صلة ابن بالآب (7/17-18؛ 12/49؛ 14/10؛ 5/19-20؛ 8/28). ٱكتمل وحي الله للبشر بيسوع المسيح، ولن يكون وحي جديد آخر.
بما سيأتي: النّظام الرّوحي الجديد، ثمرة موت يسوع وقيامته، وهو سيتحقّق في آخر الزّمان.
14 سيأخذ ممّا لي: الوحي الإلٰهيّ واحد: صدر عن الآب، وتحقّق في موت اﮕبن يسوع وقيامته، ويكمّله الرّوح القدس، فيفهمه جميع المؤمنين، ويعضدهم ليعملوا به، ويبلغوا المجد الأبديّ.
15 يو 17/10.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاح بكرم الرّبّ.