كتبت فيوليت البلعة في صحيفة "النهار":
قبل اسبوع، اطلقت الهيئات الاقتصادية انذارها لانقاذ النصف الثاني من السنة، مستهدفة أركان الحوار قبل اقفال الملفات على الاستحقاقات السياسية دون سواها. امس، راقب هؤلاء الخطوات الجادة نحو قصر بعبدا ترقباً لصور تشيع بعضا من الهدوء والطمأنينة مع حذر من ألّا تفي الغرض: اطلاق الاقتصاد من أسر السياسة.
البيان الختامي عكس اجواء ايجابية وتوافقاً على دعم خطة نهوض اقتصادية. ماذا في القراءة الاقتصادية الاولى لهذا المشهد الحواري؟
يحدد رجال الاقتصاد سقفا لمطالبهم لانه افضل من عدم الحصول على اي منها. اذ يؤمن هؤلاء ان الحل الشافي لن يأتي من جلسات الحوار، وان كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان قد حدد موعدا لجلسة ثانية في 25 الجاري. فالترقب الحذر ساد امس في تتبع اخبار اولى جلسات الحوار بعد انقطاع دام نحو سنة ونصف السنة. وكانت الهيئات الاقتصادية رفعت الى رئيس الجمهورية مذكرة "لقاء فينيسيا" وضمنتها تحذيرا من تراجع النشاط وانسحابه على الاوضاع الحياتية والمعيشية في ظل خطاب سياسي متشنج يتحمل مسؤولية مآل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.
ويقول رئيس الهيئات الوزير السابق عدنان القصار ان الحوار مطلب دائم، "كونه المدخل الاساس للحلول الملائمة والمتوازنة للخلافات بين السياسيين. رحبنا بكل مناسبة حوار واملنا في ان تنتج توافقا وان في حده الادنى، وان تغلب مصلحة لبنان. لكن في كل مرة لم يكن لنا ما أملناه، وكان يتفرق اركان الحوار مثلما اجتمعوا، كلٌّ على مواقفه ان لم نقل اكثر تشددا".
ورأى ان قدر الاقتصاد ليس البقاء رهينة لتقلبات السياسية ومواقف السياسيين ومصالحهم، ولا الركود، "بل هو النمو والازدهار وانتاج فرص عمل جديدة والمساهمة في توفير حياة اجتماعية ومعيشية آمنة"، مؤكدا اهمية تحييده وتحصينه من التجاذبات والمناكفات السياسية. واذ ثمّن جهد رئيس الجمهورية في التهدئة، أثنى "على بقائه على تماس مع همنا الاقتصادي والمعيشي وعلى دعمه سعينا لاستعادة عافية اقتصادنا"، مبديا ثقته بإمكان الاتفاق على مناخ اقتصادي مقبول لتيسير شؤون البلاد والعباد وعمل المؤسسات والادارة العامة، "ونحن على ثقة بارادة الرئيس للوصول الى خواتيم ايجابية، وسنواصل دعمنا لجهوده وباقون على تحمل مسؤولياتنا الوطنية".
اذاً، تؤيد الهيئات الاقتصادية مبدأ التحاور ولكن على طاولة الحوار الوطني، "اذ يكون حينها بديلا عن الحوار في الشارع، وهو المؤذي والمخرّب. علما ان البديل هو الجدار، وهذا خطير"، يقول رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه. ويرى ان المطلوب من الحوار هو حل المشكلات الوطنية الاساس، "لكننا لسنا واهمين لنعتبر ان المناخ الحالي يتيح ايجاد الحلول النهائية، لكننا نقبل بحلول مرحلية تؤسس لتطور ايجابي مستقبلي عند توافر الظروف". وحذّر من ترك "الامور على غاربها" والاضرار بمصالح الشعب الاقتصادية من خلال الابقاء على التأزم والتحاور عبر الفضائيات عوض الحوار الهادئ، "ولا مجال للمفاضلة بين ما يحصل على الارض وما يمكن ان يحصل على طاولة الحوار".
ماذا في الانعكاسات على الواقع الاقتصادي؟ يقول طربيه ان فقدان الحوار وضع السياحة في خطر، "اذ ثمة اضرار لحقت بالموسم، فضلا عن انعكاسها على وجه لبنان ولا سيما حين نقل الاعلام صورة المعارك في الشمال بما انعكس مناخا قاتما على الحياة الاقتصادية والاجتماعية".
لا يتوقف الاقتصاديون عند قرار منع الرعايا الخليجيين من المجيء الى لبنان، "لكننا نخشى ان ينعكس ذلك على المغتربين ايضا"، مشيرا الى ان الشعب يستنكر الاضطرابات "فهو مسالم ومهادن كما نراه في مكاتب العمل والمصانع والمطاعم"، داعيا السياسيين الى اخذ العبر لحماية مصالح الناس.
صحيح ان البيان الختامي عكس " ايجابيات" في جلسة الحوار، الا ان رئيس اتحاد الغرف اللبنانية محمد شقير لم يتلمس النتائج. وتعليقا، يرى ان الحوار يهدئ الشارع ويمنح المغتربين املا للتفكير في قضاء موسم الصيف في بلادهم. وتمنى التركيز على موضوع السلاح خارج المدن، "فهو كارثة لبنان الاقتصادية، وعلينا ضبطه لان السائح يبحث عن الامان اولا. ويفترض ان ينجحوا ان وُجدت النيات الحسنة، والا فذلك اضاعة للوقت".
وفي الوضع الاقتصادي، اكد انه سيئ "اذ لا حجوزات لدى المؤسسات السياحية بعد موجة الالغاءات في الاسابيع الماضية، والدليل حركة المطار". ورأى انه يمكن تعويض ما فات "في حال انتج الحوار قرارات ايجابية، لكن الخسارة كبيرة ومشكلاتنا ايضا. لذا، اطلقنا صرخاتنا منذ 2011". وتمنى ان يأتي الحوار بنتائج ايجابية "لنمرر موسم الصيف. وان فشلوا، فليغادروا ليريحوا البلد من خلافاتهم".
لكن، مع تحديد موعد لجلسة ثانية في 25 الجاري، ابدى رئيس جمعية تراخيص الامتياز "الفرانشايز" شارل عربيد ارتياحه لاستمرار التواصل "بما يجعلنا نتوسم خيرا". واذ ايّد بند "دعم خطة النهوض الاقتصادي في كل المناطق"، اثنى على تلك المبادرة مؤكدا انها مطلب الهيئات الاقتصادية "ونريدها ان تترجم بدينامية جديدة في الحكومة بما يعزز الآمال، ونحن على استعداد لنقوم بما يتوجب علينا خدمة للمصلحة العامة". ودعا الى تطوير هذه الخطة وتوسيع اطارها، مؤكدا استعداد القطاع الخاص للمشاركة في تلك النهضة.
في المقابل، تستمر اللجنة المشتركة بين القطاع الخاص ووزارة المال في تحضير ورقة الملاحظات على مشروع موازنة 2012، "ليكون تحفظنا ورفضنا لبعض النقاط معللا بالاسباب". وعلى خط مواز، يجري العمل، وفق عربيد، على إعداد الورقة الاقتصادية "التي نتمنى ان نناقشها مع انطلاقة الحكومة في معالجة المسائل الاقتصادية والاجتماعية".
في القراءة الاولية لاهل الاقتصاد، ثمة آمال علّقت على معاودة قطار الحوار. فهل تكتمل الصورة مع الجلسة الثانية؟