قلق كبير وراء اتصالَي كلينتون
والمعارضة مضطرة لمجاراة التعويم الحكومي
هل استعانت واشنطن بصلاتها وعلاقاتها لدى المملكة العربية السعودية من اجل ان تستخدم الاخيرة مونتها في اعادة جمع الافرقاء اللبنانيين حول طاولة الحوار وحمل قوى 14 آذار تحديدا على تجاوز شروطها ومطالبها في هذه المرحلة والمساهمة في تأمين مظلة سياسية للاستقرار لا تؤمنه الحكومة اللبنانية وحدها كونها حكومة غير جامعة؟
تميل اوساط سياسية مطلعة الى الاعتقاد بان توقيت دخول المملكة العربية السعودية على الخط والشكل الذي دخلت فيه عبر الرسالة التي وجهها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والتي يدور همس كثير حول اسلوب وصولها عبر الطرق غير الديبلوماسية المباشرة وما يعنيه ذلك عمليا من رغبة في تسريع الامور او تجاوز البعض الاخر، يرجحان هذه الفرضية. اذ ان السؤال لا ينطلق من واقع وجود اي شك حول رغبة المملكة السعودية في عودة الحوار بين الافرقاء اللبنانيين وهي كانت سباقة في مراحل عدة من تاريخ لبنان الحديث في لعب ادوار تصب في هذا الاطار، بل من واقع دفع قوى 14 آذار قسرا الى التخلي عن الشروط المسبقة التي وضعتها حول ضرورة تأليف حكومة حيادية قبل الحوار بعد اقل من بضعة اسابيع على تحديدها هذا السقف للتعامل مع الحكومة. اذ ليس قليلا اضطرار هذه القوى الى التراجع عن سقف سياسي حددته على سبيل تعاملها مع الحكومة في المرحلة الاخيرة حتى لو ان التحفيز السعودي على الحوار واكبته داخليا ضغوط من هيئات اقتصادية تتمنى تخفيف التشنج السياسي في هذه الاونة انقاذا لموسم سياحي يبدو مهتزا. فمع ان هذه القوى تراجعت في ظروف عدة متصرفة على انها ام الصبي ومستعدة للتنازل من اجل ذلك، الا ان العوامل السياسية هي التي تبقى في الواجهة. اذ ينطلق الاعتقاد ايضا حول وجود ضغوط اميركية من الاتصال الهاتفي الذي اجرته وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون برئيس الحكومة نجيب ميقاتي ومضمون ما تناولته معه لجهة دعم الحكومة في اجراءاتها لدعم الاستقرار واعتبارها الحوار "مهما جدا" وفق المعلومات التي وزعت واتصالها ايضا بالرئيس سعد الحريري. اذ يبدو من الواضح ان واشنطن تبدي قلقا بالغا على الوضع الداخلي في ضوء ما شهدته مدينة طرابلس امتدادا حتى عكار في الاونة الاخيرة والاهمية التي توليها لعدم مس الاستقرار في لبنان او السماح بحصول ما يمكن ان يهزه تأثرا بما يجري في سوريا. وقد سبق للولايات المتحدة ان وجهت رسائل عدة عبر اساليب مختلفة عن دعمها للرئيس ميقاتي تحديدا مثمنة التزامه ما تعهد به في شأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وفي شأن التعاون المصرفي حول العقوبات على سوريا بدا ان قوى 14 آذار لم تتأثر بها في ممارستها دورها كمعارضة للحكومة وفي المطالبة برحيلها والدفع نحو تأليف حكومة جديدة حيادية. اذ ان واشنطن كما سائر الدول المعنية بلبنان لا ترغب في المرحلة الراهنة ان تشتت انتباهها تطورات في لبنان من اي نوع ولا ترغب في فراغ حكومي محتمل ولم تنجح قوى 14 آذار في اقناع الخارج بوجهة نظرها عن الحكومة الحيادية بسبب عدم رغبته في فتح اي ملف جانبي للملف السوري في حين انها مضت في الضغط على الحكومة المتعثرة اصلا بخلافاتها وبعجزها عن ادارة الملفات الداخلية. مما يعني تاليا انه ممنوع على المعارضة ممارسة دورها وفق ما تقوم به اي معارضة باعتبار ان سقفها ترف لا يمكن السماح به في الظروف الراهنة.
لذلك ترى مصادر سياسية ان الاتصالين اللذين اجرتهما وزيرة الخارجية كلينتون يصبان في خانة هذه المعطيات اي تعويمها للحكومة التي ساهم اعلان بعبدا في تعويمها من خلال ما تضمنه ووافق عليه الجميع من حيث المبدأ علما ان معلومات تحدثت عن تحفظ عربي عن هذا الاعلان وما تضمنه من بنود كونه تطرق الى التزامات غير قابلة للتطبيق ومبادئ عامة غير ضرورية ترافق مع الارباك في تغيير صياغة الاعلان. وجرعة الدعم هذه يفترض ان تثني قوى 14 آذار عن استمرار العزف على وتر المطالبة بحكومة حيادية في الوقت الراهن وان تمدد للحكومة وجودها حتى اشعار اخر. يضاف الى ذلك تأكيدها لكل من ميقاتي والحريري مدى اهمية مساهمتهما في ضبط الوضع الامني لعلاقتهما المباشرة وتأثيرهما بالوضع السياسي في طرابلس والشمال خصوصا. وتقول هذه المصادر انه قد تكون لدى الاميركيين صورة مضخمة عما يحصل في الشمال او ان لديهم مخاوف حقيقية مما جرى هناك حتى الان بحيث لا يرغبون في رؤيته يتكرر. فما يهم واشنطن في هذه المرحلة هو تمرير المرحلة الراهنة بالحد الاقصى الممكن من الهدوء خصوصا كلما ازدادت تعقيدات الوضع في سوريا. والرسائل بهذا المعنى لا تصدر عن الاميركيين وحدهم بل يحملها كل رؤساء البعثات الديبلوماسية المعتمدة وكل الزوار الاجانب للبنان. فكأنما الاجماع الذي يفتقده المجتمع الدولي في موضوع الازمة السورية يجد بديلا له في الاجماع ازاء الوضع اللبناني في الاصرار بموقف واحد على الهدوء وعلى استمرار الاستقرار وعدم السماح باستيراد الازمة السورية.