
كتبت ميريلا حديب في صحيفة "الدايلي ستار" Daily Star:
أدت الاشتباكات التي هزت مدينة طرابلس خلال الأسابيع الماضية إلى وصم أحياء باب التبانة وجبل محسن بساحات قتال رئيسة. إلا أن محاربة الحزب العربي الديمقراطي المتواجد في جبل محسن لا تتم فقط من منطقة باب التبانة بل أيضا عبر عدة جبهات تطوق منطقة "الجبل" أو التلة حيث يقطن أكثرية ابناء الطائفة العلوية الموجودة في المدينة. وترجح أحياء الشعراني والبقار وريفا والمنكوبين والملولة كفة الميزان خلال القتال.
بينما يقول البعض أن أنصار قوى 14 آذار والخلايا السلفية هم الذين يقودون المعارك ضد الحزب العربي الديمقراطي، فقادة المنطقة ومقاتلوهم ليسوا بالضرورة من التابعين لهذه الحركات بل لمنافسيهم مثل رئيس الوزراء نجيب ميقاتي.
ووفقاً لسكان ومقاتلين وقوى الأمنية، فحزب الله ومناصرو ميقاتي في طرابلس هم الذين يقومون بتسليح وتمويل الجماعات التي تشارك في القتال ضد مقاتلي أنصار بشار الأسد في جبل محسن. في المقابل، تكثر الاتهامات في الجبل بأن أعضاء من الجيش السوري الحر يشاركون في القتال جنباً إلى جنب مع خصومهم. وقد أثار القتال، الذي يعتبر الأعنف خلال السنوات الأخيرة، مخاوف من امتداد الاضطرابات التي بدأت في سوريا قبل 15 شهراً إلى لبنان.
يشير مقاتل مخضرم من منطقة باب التبانة، رفض الكشف عن هويته، أن جميع التحالفات السياسية والاعتبارات تمحى خلال النزاعات. ويقول المقاتل إن طرابلس مدينة صغيرة والولاءات السياسية للأفراد والمجموعات معروفة. وقال: "هناك نوع من الاتفاق الضمني يمنع منعاً باتاً الاقتتال فيما بين السنّة." ويضيف: "طالما أنك لا توجّه بندقيتك نحو جماعتك، فلا علاقة لي بك ولا تهمني انتماءاتك السياسية."
ويُعتقد أن قادة منطقة ريفا في طرابلس، خالد العلي وأبو جهاد دندشي وشقيقه رائد دندشي المسؤول عن محور البقار هم على علاقة بجمعية العزم والسعادة التابعة لميقاتي.
ولدى اتصال الدايلي ستار بمسؤولين في جمعية العزم والسعادة والتي تقدم خدمات اجتماعية مختلفة، أنكر المسوؤلون أي معرفة بالأخوان دندشي أو بالعلي. كما أنكر أبو جهاد دندشي أي علاقة بالجمعية، إلا أن شقيقة رائد الذي يعرج نتيجة جروح خطيرة أصيب بها الشهر الماضي قال إنه اتصل بالجمعية عدة مرات لتأمين "نوع من المساعدة" للمحتاجين في منطقته. ولكن سرعان ما يقاطع أبو جهاد أخاه رائد ليتحدث عن خالد العلي قائلاً إن العلي، المعروف بأبو بكر، على جدول رواتب ميقاتي منذ وقت طويل وأنه مسؤول عن توزيع المساعدات الانسانية في أحياء ريفا والقبة. وقد رفض أبو بكر المحاولات العديدة التي قامت بها الدايلي ستار لإجراء مقابلة معه.
ويقول أبو جهاد إن "الوضع متوتر حالياً، ويشعر الناس بأنهم مهددون ويفضلون إنفاق المال على شراء الأسلحة بدلاً من شراء الأدوية أو زيارة الطبيب". واوضح مقاتل باب التبانة أن الجماعات التابعة لجمعية العزم كانت "آخر من التزم بوقف اطلاق النار" الذي فرضه الجيش اللبناني في أيار الماضي. وكانت ريفا التي تطل على جبل محسن من الشمال مسرحاً لأكثر المعارك وحشية والتي تدل عليها الأضرار الجسيمة التي لحقت بالأبنية نتيجة استهدافها بالقذائف الصاروخية. ولايظهر هذا الحجم من الدمار حتى في شارع سوريا الذي يعتبر الخط الفاصل بين باب التبانة ذات الأكثرية السنية وجبل محسن.
ويُعتبر مقاتلو منطقة ريفا من نوعية نادرة. فالمقاتلون التابعون لأبو جهاد هم أكثر تصميماً وأفضل تدريباً وتسليحاً من مقاتلي التبانة على سبيل المثال. ويبدو أن مجموعة أبو جهاد متأثرة بصورة كبيرة بتكتيكات وتقاليد حزب الله، بحيث تتمتع هذه المجموعة بانضباط ولياقة بدنية عالية، وحتى بذاتهم التي يرتدونها – الأحذية والقبعات البيج –محاولات لتقليد حزب الله.
وتظهر خريطتان لمنطقتي باب التبانة وجبل محسن مأخوذتان من "غوغل"، في مقر أبو جهاد، وهو عبارة عن شقة واسعة في أحد مباني منطقة ريفا المتداعية. ويقول أبو جهاد: "يقوم عسكريون متقاعدون بتدريب الشباب" ويرى أن قيام الرجال بحمل السلاح لحماية "الأرض والكرامة" ضد "استفزازات" الحزب العربي الديمقراطي هو أمر مشروع تماماً.
ورغم أن خالد دندشي يعتبر أنه ليس راضيا عن حالة الحرب في طرابلس ويأمل بأن تنتهي عند نقطة ما، فيخالفه ابو جهاد الرأي. ويتهم خالد السياسيين على اختلاف أطيافهم بالعمل على تأجيج المشاعر الطائفية، مضيفاً "يريدون منا نحن الفقراء أن ننزع سلاح حزب الله."
أما شقيقه أبو جهاد فلا يبدو قلقا من الاشتباكات ويؤكد إمكانية استخدام أنواع جديدة من الأسلحة وتقنيات القتال في الجولة المقبلة من المواجهات مع جبل محسن في حال انفجر الوضع مجدداً. ويقسم أنه اضطر إلى بيع أرض في المنطقة الحدودية في وادي خالد من أجل شراء ما يسميه "أنواع جديدة من الأسلحة" سيستخدمها ضد جبل محسن. يضيف: "إننا نعطي الجيش اللبناني فرصة لحمايتنا. ولكن في حال قام الحزب العربي الديمقراطي بإطلاق النار علينا ولم يرد الجيش على إطلاق النار فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي." ويقول إن الأسلحة المستخدمة في محاربة جبل محسن هي أسلحة "مقدسة" كتلك التي يستعملها حزب الله في قتاله إسرائيل.
وختم أبو جهاد: "سنُريهم أن أسلحتنا أيضاً مقدسة وأننا مثلهم نحمل السلاح من أجل قضية ونحن أيضاً لدينا قيود حيال متى نستعمل سلاحنا."