#adsense

عن الدولة المستحيلة

حجم الخط

عن الدولة المستحيلة!

دخل لبنان مرحلة من الحمى الشديدة. هناك الآن سباق حقيقي بين المصالحات والعداءات. بين المصافحات والصدامات. ومع اقتراب الانتخابات النيابية، سترتفع الحمى. لن يكون في وسع النيات الحسنة والرغبة في التوافق والحوار ان تقطع الطرقات المفتوحة على مداها امام الاضطرابات والمشاكل المتنقلة من منطقة الى اخرى!
وقياساً بما يجري على الارض، وقد وصل الدم امس الى بصرما بعد تعلبايا وعين الحلوة، وقبلها رأس النبع والطريق الجديدة وطرابلس طبعاً، يمكن القول ان "السماء" تمطر دماً وان الارض اللبنانية تفيض بالضحايا. وان المأساة توغل اكثر في هذا البلد البائس. وان الذين يفرون منه اكثر من الذين يولدون فيه، ليفروا طبعاً عندما تنبت لهم اجنحة للفرار!

❑ ❑ ❑

على اساس هذا الواقع الكارثي، لا نتوقف لحظة امام كل الابتسامات وكل المخمل واللياقات التي شاهدناها في سياق جلسة الحوار اول من امس. وقياساً بوتيرة الدم النازف هنا وهناك وبالقنابل والمفرقعات التي باتت تنبه الناس الى السحور ويا لمرارة هذا الواقع، يمكن ان نتصوّر منذ الآن كلاماً خيالياً ومؤلماً قد يقال بعد اقل من شهرين.
ففي الخامس من تشرين الثاني المقبل موعد الجلسة الثانية للحوار الوطني، يمكن ان يقف المرء ليقول:
"كان يا ما كان في قديم الزمان شيء اسمه طاولة الحوار الوطني".

❑ ❑ ❑

ولماذا كان يا ما كان؟
لاننا في خلال 50 يوماً وهي المدة التي تفصلنا عن الجلسة الثانية، يمكن ان نشن الحرب العالمية الثالثة ما بين الناقورة والنهر الكبير وبعمق يمتد من البحر الى المصنع. في 50 يوماً يمكن ان يخرب الكون ايها "الكرام". ويمكن ان يتساقط الناس مثل اوراق الاشجار في خريف عاصف.
يستطيع الحوار ان ينتظر 50 يوماً. لكن شياطين الفتنة ومتعهدي التخريب وايدي الارهاب لا تستطيع ان تنتظر خمسة ايام او خمس ساعات قبل ان تشعل حريقاً هنا او تسفك دماً هناك.
البلد يحتاج الى خلوة حوارية مفتوحة على مداها. لا تنتهي قبل ان يتفق الجميع ويتفاهموا. وقبل ان يتحولوا ارادة موحدة مثل قبضة اليد الواحدة. مثل العقل الواحد والقلب الواحد في مواجهة ذلك المخطط المتداخل والمتشابك، الذي يهدف الى اعادة لبنان الى جنون حروبه العبثية.
ليس هناك شيء اهم من هذا. البلد لا يحتاج الى 50 يوماً لانهاء حلقة المصالحات. ففي اقل من نصف ساعة حصلت مصالحة مبدئية مهمة في القصر الجمهوري على هامش طاولة الحوار وكانت ربما اهم من الجلسة الاولى عينها.

❑ ❑ ❑

في اي حال، اذا كان من الضروري ان يردد الجميع قول الرئيس ميشال سليمان: "ان اسرائيل لا تزال مصدر الخطر الابرز علينا"، فمن الضروري ايضاً الا ننسى الارهاب الذي سبق للرئيس نبيه بري ان وضعه في المرتبة الثانية التي تتهدد لبنان.
وفي مواجهة هذين الخطرين يبدو لبنان مكشوفاً تماماً. واذا كانت "الاستراتيجيا الدفاعية" هي محور النقاش في الحوار الوطني المستريح او بالأصح المتأني جداً، فإن البلاد تحتاج الى "استراتيجيا امنية" لا توفر الهدوء والاستقرار للناس فحسب، بل توفر الارضية المتينة التي يمكن ان تشكل قاعدة راسخة لـ"الاستراتيجيا الدفاعية".
ولكن من اين نحصل على الاستراتيجيات من غير شر في غياب الدولة او بالاحرى في تغييبها؟
تلك هي المسألة. او بالاحرى هنا يكمن جوهر المشكلة التي تذبح لبنان من الوريد الى الوريد.

❑ ❑ ❑

الرئيس سليمان اكد ضرورة "وضع استراتيجيا تتكامل فيها كل عناصر قوة الدولة وتندرج تحت مفهوم الدولة في الدفاع عن اراضيها في اطار السياسة العامة للبلاد، تستند الى قواتنا المسلحة وتستفيد من طاقات المقاومة وقدراتها". والمعنى الضمني، ولكن الواضح والصريح لهذا الكلام، انه يضع الدولة اولوية واطاراً واحداً وسقفاً. فـ"الاستناد" هو الى قوات الدولة المسلحة اما "الاستفادة" فهي من طاقات المقاومة. بما يعني انه يريد لمركزية القرار في "الاستراتيجيا الدفاعية" ان تكون في يد الدولة وحدها.
لكن الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، قال مساءً ما دأب على تكراره. من انه يجب ان تصبح الدولة قوية وقادرة لكي تتولى حماية لبنان وجميع ابنائه. وهذا من صلب وظيفة الدولة وواجبها. ولكن لا يختلف احد مع الثاني ان واقع الحال اليوم – اي واقع الدولة – ليس كذلك.

❑ ❑ ❑

اذاً من اين نأتي بالدولة، وهل تهبط علينا بالمظلات من كوكب آخر؟
هذا السؤال "العويص والمعقد" ربما لن يجد جواباً قبل الوصول الى اجوبة تبحث عنها تجربة "محاكاة الانفجار الكوني العظيم" مثل: اين بدأ الكون؟ ولماذا نحن هنا؟ وهل نحن وحدنا في هذا الكون؟
والاسئلة عن اصل الكون قد تتوافر قريباً، لكننا في لبنان نبحث عن الدولة منذ اكذوبة قيام الدولة… وتلك مسألة اخرى!

❑ ❑ ❑

وفي انتظار معجزة قيام الدولة او هبوطها الميمون علينا. لا يسعنا الا ان نصفق لمداخلة النائب سعد الحريري في جلسة الحوار حيث قال لفرسان "الطاولة البيضاوية":
"اننا في مكان والبلاد في مكان آخر. الناس متوترون. هناك مواطنون يقتلون على الطرقات. يجب انهاء هذا الامر. لا حل لمشكلات لبنان الا بالدولة ومشروع الدولة التي يجب ان تكون كل الامور في يدها وكنفها".
فعلاً. لكننا "ايها الكرام" (ولا ندري في المناسبة اين لمس الرئيس سليمان معالم الكرم في معظم اهل هذا الطاقم السياسي) عالقون في دوامة "الدولة المستحيلة". المستحيلة ربما حتى آخر لبناني يهاجر او آخر نقطة دم لبنانية تهدر… وربما الى ان يقال يوماً:
"كان يا ما كان… كان في قديم الازمان وطن اسمه لبنان".
وسامحونا ايها "الكرام".

المصدر:
النهار

خبر عاجل