#adsense

التقرير: بين الإحراج والإخراج

حجم الخط

التقرير: بين الإحراج والإخراج

ناصيف حتي

 

كيف نقرأ تقرير التقييم الاستخباراتي القومي الذي شاركت 16 وكالة استخبارية أميركية في اصداره والذي اثار وما زال يثير حواراً وجدلاً في واشنطن وفي العواصم المعنية خاصة عند المهتمين بالشأن الإيراني وتحديداً بالملف النووي الإيراني باعتبار ان التقرير شكل صدمة وقطيعة مع السياق السياسي القائم بشأن المخاطر الوجودية شبه الآنية للبرنامج النووي الإيراني. فالتقرير جاء ليقول ان إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري عام 2003 رغم انها مستمرة في برنامج تخصيب اليورانيوم لأهداف مدنية. ويرى التقرير ان إيران لن تتمكن من امتلاك سلاح نووي قبل عام 2009 على أقرب تقدير رغم انه يرجح انه قد لا يكون ذلك ممكناً قبل عام 2013 وبشكل عام في الفترة بين 2010 و2015. باختصار يقول التقرير انه لا يوجد خطر نووي إيراني مباشر وإذا تبلور هذا الخطر فلن يكون قبل سنوات. أسباب أربعة أعطت أهمية خاصة وأثارت هذا الجدل الدولي حول التقرير. أولاً، المصدر الجدي والاحترافي والجماعي والاختصاصي للتقرير مما يعطيه مصداقية كبيرة، ثانياً توقيت صدور التقرير في خضم انطلاق معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية وسهولة توظيف هذا التقرير في الصراع الداخلي الرئاسي والسياسي في واشنطن. ثالثاً، يأتي التقرير في خضم تصاعد الحملة الديبلوماسية والسياسية ضد إيران والتلويح باللجوء إلى الخيار العسكري والبعض يرى ان هنالك احتمال حدوث سيناريو


ضربات محدودة لإيران في الربيع القادم. رابعاً، يعتبر الملف النووي الإيراني “أم الملفات” في الشرق الأوسط ومفتاح الصراع والتسوية في العلاقات الأميركية الإيرانية وهو ملف أمني رئيسي في العالم. يثير ذلك كله العديد من التساؤلات تبدو متناقضة مع بعضها البعض منها هل التقرير بمثابة تبرير في حقيقته لإنزال “بوش عن الشجرة” أي لإيجاد مخرج له للتراجع عن التصعيد وسياسة حافة الهاوية ضد إيران مع إبقاء التوتر على مستوى مرتفع في العلاقات الأميركية الإيرانية ويكون بالتالي بمثابة حفظ ماء الوجه له ولو انه في مظهره يفترض ان يشكل إرباكاً للسياق السياسي الرسمي الأميركي، أم ان التقرير كان بمثابة خطوة استباقية لحماية الذات من طرف الأجهزة الاستخباراتية لتقول انها حذرت الإدارة الأميركية من عدم وجود خطر إيراني مباشر يستدعي عمل عسكري “فيشلح” بذلك الإدارة الأميركية ورقة كانت قد استغلتها في الماضي لتبرير حربها ضد العراق محملة عن غير حق الأجهزة ذاتها بشكل أساسي مسؤولية قرار الحرب حينذاك بسبب تقييمها لمخاطر التسلح غير التقليدي العراقي أم ان التقرير، هو بمثابة تصفية حساب في صراعات داخلية بين تيارين أساسيين في الإدارة الأميركية: تيار المحافظين الجدد وتيار “الواقعية” التقليدي تزداد أهمية هذا الصراع أنه يأتي في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية. في هذا الإطار يقرأ تصريح جون بولتين أحد رموز المحافظين الجدد والمندوب السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة الذي ينتقد فيه بشدة التقرير ويعتبره مليئاً بالثغرات ويصفه بأنه بمثابة “شبه إنقلاب” وأنه يعبّر عن “سياسة تتغطى بعنوان استخباراتي”. هنري كسينجر نفسه ينتقد ما يسميه الطبيعة السياسية للتقرير وخروج أصحابه عن دورهم “التقني”.


دون شك صار التقرير مادة في المواجهة المزدوجة في الولايات المتحدة: أولاً بين التيارين اللذين أشرنا إليهما سابقاً إذ يعتبر التقرير أنه يندرج في سياسة يمثلها وزير الدفاع روبرت غيتس ومعه وزيرة الخارجية وأنه يسمح لهما بتسجيل نقطة في ملعب نائب الرئيس ديك تشيني وأصدقائه من المحافظين الجدد وثانياً، الشيء نفسه يمكن أن يقال عن التنافس ضمن كل من الحزبين إذ أن المرشح الديموقراطي باراك أوباما استفاد من التقرير وهو الذي يدعو الى الانخراط في عملية ديبلوماسية مع إيران ويقول إنه مستعد للقاء الرئيس أحمدي نجاد والتفاوض معه، استفاد من التقرير مسجلاً نقاط على الموقف الضبابي والمرتبك بعض الشيء لهيلاري كلينتون. أمام ذلك كله يمكن القول إن التقرير وضع السياسة الأميركية على مفترق طرق تطرح الأسئلة بشأن سلوك كل منها: فهل سيسمح أو يدفع التقرير الى مفاوضات شاملة أو مفاوضات “الصفقة الكبرى” التي تتناول كل الملفات في المواجهة الأميركية الإيرانية ولو يختلف أصحاب هذا الرأي عن موعد احتمال البدء بهذا السياق التفاوضي رغم أن أكثرهم يعتبرون أنه لن يبدأ إذا ما بدئ قبل وجود إدارة أميركية جديدة، أم هل يدفع في طريق تشديد العقوبات كما يقول أصحاب هذا الرأي باعتبار أنهم يقرأون وقف الخيار العسكري النووي الإيراني عام 2003 أنه نتاج خوف إيران حينذاك من تكرار السيناريو الأميركي ضدها بعدما رأت ما حصل مع العراق، وبالتالي تصبح سياسة تشديد العقوبات أو سياسة العصا ذات فائدة في تغيير السلوكية الإيرانية لكن تحليل ازدياد المخاطر باعتباره سبب إيقاف البرنامج النووي الإيراني يمكن أن يرد عليه بتحليل آخر مناقض يقوم على رأي زوال الخطر على إيران وتحديداً الخطر العراقي، عراق التسلّح غير التقليدي وأنه لم يعد من الضرورة بالتالي انتهاج استراتيجية بلورة ردع غير تقليدي ضد العراق، وثالث الطرق الممكنة أنه سيؤدي الى تغيير سياق الصراع الأميركي الإيراني من عنوان تغيير النظام وعدم القدرة بالمطلق على التعامل معه كون إيران ضمن هذا المنظور تمثل خطراً وجودياً الى سياق آخر تطبيعي ولو من نوع التطبيع النزاعي عنوانه إيران خصم قوي وشديد ولكن لا وجود لحالة من الهلع تفترض ردود فعل فوق عادية مما يسمح بالاستمرار في سياسة التصعيد المقيد ضد إيران وإدارة علاقات قائمة على مستوى مرتفع ولكن منضبط من التوتر عنوانها تجميد الوضع على ما هو عليه.


في ما يتعلق بإسرائيل وهنالك أخبار عن اجتماعات مكثّفة بدأت الأسبوع الماضي في واشنطن بناء على طلب إسرائيل بين الأجهزة الاستخباراتية للبلدين لإحداث تقويم مشترك أو التوصل إلى تقويم مشترك للخطر الإيراني باعتبار ان المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية غير مقتنعة بقراءة زميلاتها الأميركية فان التقرير يشكل أيضاً إحراجاً لإسرائيل وإرباكاً لها والبعض يعتبر انه “يفقدها العدو الاستراتيجي” وقد يعيد خلط أولويات المخاطر عندها إذا ما اقتنعت إسرائيل بهذه القراءة الاستخباراتية الأميركية للخطر الإيراني رغم ان كل المؤشرات تذهب عكس ذلك. لكن التقرير وضع مزيداً من العصي في دواليب سياسة إسرائيلية قد تتجه نحو القيام “بضربة استباقية ووقائية محدودة ضد إيران”.


عند مفترق الطرق هذا هنالك من يرى ان إيران قد تهدف في نهاية الأمر إلى بلورة ما يعرف بالخيار الياباني أي امتلاك كافة عناصر ومكونات صنع السلاح النووي ولكن دون القيام بذلك. أياً كانت الاحتمالات القائمة فان التقرير الصادر في مطلع هذا الشهر وفي نهاية هذا العام طرح العديد من الأسئلة والتساؤلات حول مسألة تشكّل المفتاح الرئيسي لصراعات ونزاعات الشرق الأوسط من حيث القدرة على زيادة حدة التوتير لهذه الصراعات أو القدرة على تمهيد المخارج والاسهام في التسويات الممكنة لها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل