اذا كان الانقلاب على حكومة التوافق الوطني برئاسة سعد الحريري، لحماية السلم الاهلي، ومنع انزلاق لبنان الى الفتنة والفوضى، كما صرّح بذلك رئيس كتلة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، فان بقاءها بعد تصاعد الاوضاع الامنية في سوريا، وامتداد بعضها الى بعض البلدات اللبنانية الحدودية في الشمال والبقاع، والمعارك التي اندلعت في طرابلس بين جبل محسن والمناطق المحيطة به، ومقتل وخطف العديد من اللبنانيين، وعجز الحكومة عن مواجهة ما يحدث، ومعالجة الاحداث معالجة جدّية وجذرية، قد انتهت الحاجة اليها، خصوصاً ان محاولات رأب الصدع بين مكوّناتها المتضاربة، والعمل على تعويمها، سقطا سريعا، واكبر برهان على ذلك، الخلاف العميق حول موضوع الاجراء والمياومين في شركة كهرباء لبنان، وتهديد وزراء وقياديين في التيار الوطني الحر، وليس في تكتل التغيير والاصلاح، بأن ردّ التيار على «المهزلة» التي حصلت في اجتماع اللجان المشتركة، سيأتي في وقت يحدده التيار وليس الحلفاء، اضافة طبعاً الى ان الخلاف على طبيعة الموازنة العامة، وما يمكن ان تتضمنه من نفقات، ما زال يحول دون اتمامها للسنة الثانية على التوالي في ظل هذه الحكومة، ما يجعل من الدولة، حسب الخبراء الماليين والاقتصاديين دولة فاشلة في حسابات الدول الدائنة او المانحة.
بالاضافة الى هذه المعطيات والوقائع التي تثبت ان لبنان قد دخل فعلاً دائرة الخطر الشديد، ولم يعد ممكناً الاستمرار في سياسة الترقيع والتطنيش احياناً، والكيد والمكابرة والشخصانية احياناً اخرى، برزت الى الواجهة مجدداً، التحذيرات الجدّية، المحلية والاقليمية والدولية عن وجود مخطط لاغتيال عدد من القيادات اللبنانية، وفي مقدمة هذه القيادات رئيس الكومة الاسبق فؤاد السنيورة، كما ان اللائحة على ما قيل تتضمن اسماء نواب وفاعليات، واكتشاف هذا المخطط ومتابعته في شكل دقيق واحترافي، قد يؤدّيان الى اكتشاف الجهة التي نفّذت عملية محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، ونجا منها بأعجوبة، وقد يكون لتسليم داتا الاتصالات على ما اعلن وزير الداخلية العميد مروان شربل، دور في تلمّس خيوط هذا المخطط الشنيع، الذي يستهدف السلم الاهلي، باغراق لبنان في فتنة دموية طائفية ومذهبية، على اعتبار ان رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب سامي الجميّل، كانا ايضاً، وربما ما يزالان في دائرة الاستهداف والخطر.
* * * *
ان تخوّف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من نجاح مؤامرات اقحام لبنان، في احداث امنية واسعة، اكبر من قدرة الدولة على مواجهتها، هي التي دفعته ربما الى مناشدة جميع الافرقاء، بوجوب الالتقاء والتحاور، على اقلّه، لمنع اعطاء المؤامرة ارضاً خصبة، وجوّا مؤاتياً، لتنفيذ اهدافها، وقد نجح الى حدّ ما في الجلسة الاولى للحوار، ترجم باعلان بعبدا الذي حمل ايجابيات لا بأس بها، ولكن تصريحه الذي نقل عنه بأنه مع تشكيل حكومة حيادية فوراً لو عاد الامر اليه، كان يجب ان يلقى صدى ايجابياً سريعاً، ليس لدى الحياديين في الحكومة، مثل رئيسها نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط فحسب، بل لدى الفريق المتمسّك بهذه الحكومة الحطام، فيسارع الى تلبية رغبة الرئيس سليمان الذي على ما يبدو مدرك لمدى عجز الحكومة، وتلبية لطرح قوى 14 اذار الداعي الى تشكيل حكومة حيادية لتمرير الاوضاع الخطرة بالتي هي احسن والاهتمام بقضايا الناس، والاشراف على الانتخابات النيابية المقبلة، وهذا طرح وطني صادق، بعيد من المصالح الشخصية الضيّقة، ومن شأنه، اذا تحقق، ان يزيل التوتر الداخلي، ويقوّي موقف الدولة في مواجهة المؤامرات، واكثر من ذلك، فان الحكومة الحيادية المصغّرة، يمكن ايجاد اعضائها بسهولة، ويمكن لها ان تحلّ المشاكل الحكومية العالقة، مثل التعيينات الادارية والديبلوماسية، وقانون الانتخاب، والموازنة العامة، وغيرها من القضايا، التي عطّل تنفيذها الخلافات المتصلة بالمصالح الشخصية و الفئوية والحزبية، وفي هذا المجال، لا بد من الاشارة الى التصريح الذي ادلى به وزير الداخلية، واصفاً فيه علاقته بالرئيس سليمان وبالنائب العماد ميشال عون، حيث قال انه اقرب الى التفاهم مع سليمان اكثر من العماد عون لان عون له حساباته الحزبية والشخصية، في حين ان سليمان لا تهمّه سوى مصلحة الشعب.
الحكومة الحيادية، مطلب حقّ، وهو يساوي في أهميته ونتائجه طاولة الحوار ذاتها، ان لم يكن اكثر، وآن وقت تحقيقها.