لا فرح يعوّض شقاء الوداع. لكن ثمة أنساً حميمياً في العلاقة ما بين غياب الاستاذ وحضور تلامذته. وخصوصا مثل هذا الحضور النادر، التاريخي الرمز، الذي ادخل لبنان الاكاديمية الفرنسية، محفورا على سيف امين معلوف الاحتفالي، الى جانب صورة "ماريان"، فتاة الثورة.
تقع الوقائع التي لها شيء من طابع المجد، في الازمان الصعبة. وكل زمن زمن صعب. لأن الازمان غامضة ومضطربة في كل العصور، ولا تسمى "الحقبة الجميلة" الا بعد افولها بمدى بعيد، حين لا يعود يبقى من الصورة الا الحنين اليها.
هل هذا زمن الثورة في العالم العربي الذي تركه امين معلوف ليقيم في التاريخ، ويسكن في اللغة الفرنسية؟ ام هو مجرد زمن الغضب؟ واذ قال غوته، الشاعر، ان لا جمال في الغضب، قال عالم البيولوجيا الفرنسي هنري اتلان، ان الغضب هو نزول الفكر الى الدرجة الصفر. الانعدام.
هذا الانسان الرضي، عضو الاكاديمية ومجمع الخالدين، المتصالح مع نفسه، المتلاقي مع جذوره القديمة وينابيعه الحديثة، المنصهر الهويات، جاء الى هنا من بلد يمسك بعنقه الطري الغاضبون. فرّ أمين معلوف مبكرا من حرب لبنان، لئلا يكون جزءا من الظلام او الدماء. وهنا، في باريس، راح يتأمل اصوله وفروع الحياة، ولا يختار منها الا "حدائق النور". وكما تحول كل شيء الى ادب، عند ماركيز، تحول كل شيء الى تاريخ، عند معلوف.
ليس كِبر امين معلوف فقط في موهبته وفي كده وفي ابحاثه الهائلة وفي تكرسه الصلب، بل في اختياراته الالتقائية المتحضرة. وفي موقفه المترفع عن جميع انواع السقوط. عندما يبحث في هافانا عن تاريخ عمه، لا يأتي بكلمة واحدة عن النظام البوليسي المهيمن على مدينة الغناء خلف الاسلاك. لكنه يختصر كل شيء بجملة واحدة. ففيما تساعده مسؤولة الارشيف على البحث في الوثائق، تقول له في خوف: يجب ان نسرع قبل ان يأتوا.
هم، الضمير المستتر، الذين يعيشون الحياة بلا ضمير. يتركهم امين معلوف لسريتهم وأقبيتهم. هو يبحث عن الجذور، لا عنهم. عن أهل النور والحياة والتعب والحلم وكل ما هو جميل ورائق وغير معتل بعلة الغضب والصراخ والتنديد بجموع الناس.
قال لي بائع الصحف امام الكافيه دولابيه: Hélas لم تعد "النهار" الورقية تباع في باريس منذ شهر. هذا جزء آخر من الاحتفال قد غاب. الجزء الزمني الذي يسترجع الامانات، كما يحول الصحافة من حبر وورق وباعة على الارصفة وقراءة في مقاهي الهواء الطلق وطقوس عفوية، الى عصر شاشة الـ"آي باد". لا يتوقف الزمن بالناس. ها هو امين معلوف البادئ في "النهار" بسيارة فولكسفاغن عتيقة، مضحكة، كانت حمراء في ما مضى، يدخل اكاديمية ريشوليو برداء المخلدين، مستحقا كل خيط من خيوطه.
فكيف وصل امين معلوف الى هنا؟ عاملا، شغيلا، كدودا، وصل الى هنا. ترك الآخرين في المقاهي يثرثرون، ويحسدون ويلوكون الفراغ ويجترون صدأ الجهل ويفرحون. ومضى يعمل، سائرا لا يستوقفه شيء او احد او عائق او معوّق. وضع الوزنات العشر على ظهره واندفع صوب الاكاديمية، برفقة اصدقائه لا زملائه: ليون الافريقي وعمر الخيام وبياتريس وعمه الكوبي وعمته التي كانت مستشارته في "جذور" ومؤرخي الحروب الافرنجية من المسلمين، وخصوصا منزله ومنعزله في جزيرة "دو لا ري" حيث تنسك بعيدا من ملهيات باريس وغواها الذي مثل اللعنة المسحورة.
يجيء الكتاب والشعراء الشبان الى باريس كي يتشردوا في لياليها وربيع حدائقها، يجتذبهم نداء رامبو وعبثية سارتر وقبله فقر همنغواي وجورج اورويل وجيمس جويس وهنري ميللر في حدائق اللوكسمبور وعلى ارصفة السين. هذا كان "الشرط الباريسي" الذي عاشه ايضا جبران خليل جبران في مقاهي المونبارناس الى جانب فقيرات بولونيا، كما روى رفيقه يوسف الحويك.
هو جاء ليعمل. لم يصادف باريس الا في المكتبات العامة. هنا اكتشف، مبكرا، ان في امكانه الخروج من الصحافة الى الكتابة، من اليوميات المتسارعة الى رفوف التاريخ الكثير والمرسوم بحياة الفرد الفذ والجماهير الهتافة، المصفقة والتي ترفع الحكام ثم تقتلهم ثم تركع على قبورهم.
لم يكن الطريق سهلا الى الاكاديمية، بدأ في شقة بلا كنبات، مع اندريه وثلاثة اطفال، في "بانيوليه" ضاحية البسطاء والذين يعيشون حياة بلا مخارج. وهناك عزم على اتخاذ ممر اللغة. لم يكن ذلك هينا عليه. فقد كان يحب العربية ويشعر نحوها بشيء من التقديس، لأنها كانت لغة والده، الذي حلم لأمين ازهى الاحلام ولكن لعله لم يكن بينها ثوب الاكاديمية ورفقة هوغو.
قبل مئة عام على وجه الضبط مثلت"الكوميدي فرانسيز" مسرحية "عنترة" لشكري غانم. منذ اكثر من قرن وهؤلاء اللبنانيون المهاجرون الى اللغة الفرنسية يتقدمون في آدابها. لم يكن احد يتوقع الاكاديمية، وان يكن بعدها وبعد "غونكور" صار هناك من يتوقع احتمال "نوبل" لأمين معلوف، كما هي محتملة لادونيس، اثنين من دعاة "ثقافة الآخر" وقت ينزلق العالم العربي، ليس الى "صراع الحضارات" الذي تنبأ به برنارد لويس وتبنى صامويل هانتينغتون حتميته، بل الى صراع الحضارة الواحدة، التي تتأهب فروعها للتصادم واحراق الأمة في ظلام اهالي الكهوف وتكدسات القرون.
عام 1998 وضع امين معلوف "الهويات القاتلة" وعام 2009 وضع "اختلال العالم" قبل عامين من اختلال النظام العربي. لم يكن يتوقع كل ما حدث، لكنه كان يخشى حدوثه، علمه تاريخ العائلة ان التاريخ هجرات.
"عندما كنت شاباً لم يكن يمكن أن يخطر لي أن أعيش خارج لبنان. ولكن ما لبثت ان ايقنت ان علي ان اهاجر، مثل جدي وعمومتي والآخرين الذين سافروا الى اميركا ومصر واوستراليا وكوبا".
صدرت ترجمة "الهويات القاتلة" في اميركا بعيد هجمات 11 ايلول. رأى فيها النقاد الاميركيون استقراء لما حدث. فالناسفون أبراج نيويورك، بعكس حضارية امين معلوف، لم يقدروا على العيش في اكثر من ثقافة واكثر من لغة. ولكن ماذا عن ابناء قومه في لبنان، اولئك الذين عاشوا على ثغور المتوسط منذ آلاف السنين، مستقبلين ومودعين، واعتادوا فكرة الوطن الملاذ، والوطن الملتقى، وعاشوا تجارب ومحن الغضب الذي يحول الفكر الى صفر، الى عدم، الى شهوة في استبعاد كل شيء وكل آخر.
يمثل امين معلوف في الاكاديمية اكثر من لبناني او عربي تعدد نجاحه وعظم وصوله. ليس رجلا على الحياد. ولا هو انتظاري Attentiste كما كان فريق من الفرنسيين يُعرف ايام فيشي. اي الذين ينتظرون التأكد من مجرى الريح قبل اتخاذ القرار. هو، شجاعة الاعتدال وحرب النجاة على الهلاك. هذه ليست الاكثرية الصامتة، لأن الصمت تواطؤ وغباوة وخطأ مخبأ. هذه الاقلية التي ترفض الانضمام الى العمى الجماهيري، وطقس السائد وخبث الاسترضاء وتربص الخيانة والطعن. في هذه اللحظات بدا امين معلوف اكبر منا بكثير، واكبر خصوصا من المسيحيين الذين ابلغنا ايلي الحاج (نهار الخميس 14 حزيران) أنهم يرفضون حتى تبادل السلام او تهاني السلامة. فعلى ماذا يختلف المسيحيون اذن؟ كم مرة قال في حزن: مِن بيت ابي طعنت؟
يعتلي امين معلوف مقعد الاكاديمية رمزا لانصهار الحضارات ووحدة الانسان، ونموذجا لما يمكن ان يبلغه الصحافي اذ يقرر الخروج من تنابلة المقهى الى رقي الابداع. ومن تكرار رتابة المتكرر الى جماليات الخلق. استحق ما بلغ. وعلى نحو ما، صار هو جورج شحادة الرواية. مثله يستعير من رذاذ الشلالات وهناءة الفيء ووفرة النسائم، ويحوّل الكتب الى جداول. عام 1912 دخل شكري غانم الكوميدي فرانسيز برفقة "عنترة"، محرر العبيد. عام 2012 دخل امين معلوف الاكاديمية الفرنسية، مناديا بحرية سائر الامم.