#dfp #adsense

الهبات الضائعة.. أم الجنرال؟

حجم الخط

كتب عبد اللطيف درزي في "اللواء":

إن افضل توصيف يُعطى اليوم لحركة "التيار الوطني الحر" ولأدائه على مسرح الشأن العام وذلك وفقاً لمبادئ ومعايير علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة وانسجاماً مع الاصول والقوانين الناظمة لسيرورة وتطور المجتمعات الانسانية والراعية لتقدمها ونمائها ورفاهيتها هو دخوله في طور الإحتضار.. والأفول.. وسيره بخطى حثيثة نحو الحفرة التي ستحتضنه جثة قبل ان تنال منها عوامل التحلل والتعرية والأنتنة.

بداية ننطلق من عمل الوزارات الخدماتية التي أنْعَمَ "حزب الله" بصفته صاحب الكلمة الفصل في الحكومة الميقاتية على التجمع العوني النيابي والمسمى تكتل "التغيير والاصلاح" كضريبة يسددها لديمومة وبقاء التفاهم القائم بينه وبين الجنرال ميشال عون، وهو في سبيل ذلك يدير ظهره لإخفاقات وإرهاصات تقديمات وزارات حليفه الأَرْيَب بدءاً من وزارة الطاقة التي يتربع على سُدّتها الصهر المدلل للجنرال الوزير الحصيف جبران باسيل الذي لا يترك مناسبة إلا ويطل عبرها مبشراً ومنذراً بصيف حالك وبليال داجية مدلهمَّة اذا لم توافق الحكومة على خطته الاصلاحية لقطاع الكهرباء التي تفوح منها رائحة الصفقات المشبوهة والعمولات.. لقد اضحت شركة الكهرباء بهمته اشبه بسفينة غارقة ترقد في قاع البحر وقد علاها الصدأ وأكلت الطحالب اقطارها المهترئة.. وبعد هذا يتحدثون عن الفساد والمفسدين.

إن جمهور "حزب الله" في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب وغيرها من المناطق اللبنانية التي ابتليت بلعنة التقنين يخضع لمزاجية الوزير النجيب ولسياسته العشوائية والصبيانية التي فشلت في تدبير مرفق عام وحيوي خاضع لوصايته وإشرافه.. فالحزب يشتري ودّ حليفه المسيحي الذي يبدو انه لحينه يشكل له ضرورة استراتيجية في معركته التي يخوضها ضد خصومه الداخليين من فريق الرابع عشر من آذار وخصوصا المسيحيين منهم وفي طليعتهم قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع الذي اخذت طريقته في عرض الاحداث.. والكيفية التي يتعاطى فيها مع الازمات على حساسيتها متوسلاً الموضوعية والدقة في تشريحه لكثير من الملفات تستقطب شريحة واسعة من "الانتلجانسيا الشابة في قاعدة "التيار الوطني الحر".

تتردد شائعات لم تتأكد صحتها من عدمها بأن الحزب او مقربين منه يديران شبكة كبيرة من المولدات الكهربائية في منطقة الضاحية الجنوبية وهي تدر عليهما ارباحاً طائلة، فتلك واحدة من مئات المشاريع التي يستثمر فيها الحزب ما يأتيه من مخصصات مالية من الجمهورية الاسلامية الايرانية.. تحسباً منه من خطوة قد تضطر معها طهران الى تخفيضها تحت تأثير العقوبات الدولية المفروضة عليها والتي تطال مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية فيها.

وفي سياق متصل يرى البعض بأن العلاقة التحالفية بين "التيار الوطني الحر" والحزب تتعدى التفاهم السياسي المعقود بينهما لتصل إلى مشاريع استثمارية وسلطوية تتعلق بكيفية تقاسم خيرات الوطن الصغير، وتوزيع مراكز القوى والنفوذ.

ننتقل إلى حقيبة "حلوب" أخرى يديرها التيار العوني ألا وهي وزارة الاتصالات التي لم تشهد إلا مزيداً من التراجع في الأداء وفي تقديم الخدمات للمواطنين وتحديداً المشتركين في خطوط الهاتف المحمول وذلك في ظل عهود وزراء التيار الميامين الذين أضحوا روّاداً في علم الكلام وفي سوق الأباطيل والأضاليل للتعمية على الحقائق وسلوك الترَّهات تجنباً للسير على الخط المستقيم الذي لم يعتادوا هم وجنرالهم الوقوف عليه، فمن تردٍّ في الإرسال، إلى تشابك الخطوط ببعضها البعض، إلى الارتفاع المتواصل في كلفة التخابر رغم طفرة العروضات التي تعلن عنها الشركتان المشغلتان للخطوط المحمولة.

إكذب، إكذب، قد تجد من يصدقّك في النهاية. هذه المقولة أمست أقنوماً مقدساً يسير على هديه "التيار الوطني الحر" وأيقونة عجائبية شافية من آفات الصدق والفضيلة والأمانة والتي قد تضرب أحد أركانه أو الوزراء المحسوبين على خطه السياسي فتسقطه من الجنّة العونية ومن الأوج الذي كان فيه، كما حدث مع وزير العمل السابق شربل نحاس الذي استفاق بعد غيبوبة طويلة ليجد نفسه يتلظى بنار جهنم "الاصلاح والتغيير" الملتهبة والتي تأكل كل شيء ما عدا الفساد والمفسدين، والنفاق والمنافقين… والرذيلة والمرذولين… فوقودها هم الشرفاء… وأصحاب الأيادي البيضاء… وسديدو الرأي والذين لم تعرف الرشوة طريقاً إلى جيوبهم والعمالة مرتعاً لها في جنباتهم، لقد ارتضى الوزير نحاس ان يكون كبش فداء لمبادئه وقيمه الإنسانية والتقدمية التي لم تجد لها موطناً آمناً بين هؤلاء القوم الذين لا يراعون عهداً ولا يحترمون ميثاقاً، وهو كغيره من الذين أخذوا بشعارات وطروحات عون الإصلاحية والتغييرية.

حين يتحدث الجنرال عون عن الدولة وبناء المؤسسات ترتسم في الذاكرة الحيّة للبنانيين الذين عايشوا فترة الستينيات من القرن الماضي وعصره الذهبي صورة جنرال بنّاء لا تزال انجازاته ماثلة أمامنا حتى اليوم وشاهدة على عظيم أعطى عمره لهذا الوطن وطُبع اسمه على مرحلة مهمة ومفصلية من تاريخ لبنان السياسي الحديث ذلك هو الرئيس الراحل فؤاد شهاب الذي كان عماداً حقيقياً للاصلاح والتغيير. هناك رجال يصنعون التاريخ وآخرون يصبحون صفحة منسية ومطوية من صفحاته.

إن هوس النائب عون بكرسي الرئاسة الأولى وإحساسه الذي ينمو ويكبر يوماً بعد يوم بأنها بعيدة المنال جعله يشن حرباً شعواء لا هوادة فيها على الحلفاء قبل الخصوم وهو لهذه الغاية يستخدم وزاراته الخدماتية ولا سيما الطاقة وسيلة قتالية في حربه هذه عبر الإيعاز لصهره النبيه بافتعال الأزمات داخل شركة كهرباء لبنان والاحكاك مع العمال المياومين وجباة الإكراء بهدف شل عمل هذه المؤسسة العامة الذي بدوره سينعكس فوضى وتخبطاً على عجلة الحياة الاقتصادية بكافة أوجهها، وفي المقابل تقف الحكومة أمام هذا الواقع المتردي عاجزة مغلولة الأيدي، ولكن ما يثير حفيظة الكثيرين هو الصمت المريب الذي يمارسه "حزب الله" إزاء ذلك.

لا يختلف عاقلان على أن المؤتمرات الصحفية التي يعقدها جنرال "التغيير والإصلاح" تسير باتجاه انحداري إن على مستوى خطابه السياسي المتدني أم لجهة خروجه عن اللياقات الأدبية في رده على أسئلة الصحافيين، وكذلك في مخاطبة خصومه السياسيين بلغة لم يألفها اللبنانيون من قبل، والتي في بعض الاحايين تخدش الحياء والذوق العام… كذلك يلاحظ عليه عدم الاحاطة بالكثير من الملفات التي يطرحها على شكل عناوين عريضة كبرى متحاشياً الدخول في تفاصيل ودقائق الأشياء ويستعيض عنها بيافطات شعاراتية شعبوية… حول محاربة الفساد والمفسدين وقد فاته بأن الفساد قد أكل تياره حتى العظم.

إن آخر تجليات جنرال الرابية هو عدم تمييزه بين الأرقام؟ ملايينها وملياراتها… وهو أوقع نفسه في مأزق خلال استعراضه للهبات المفقودة والبالغة قيمتها بحسب قوله في أثناء مؤتمر صحفي عقده تحت اسم "الهبات الضائعة" 3.9 مليارات دولار، تبين لاحقاً انها 3.9 ملايين دولار، حتى يقال بأن وزير المال محمد الصفدي هو الاخر وقع في إشكالية قراءة الأرقام وهو الذي يعمل بها ويتحرك بينها، وتبين في نهاية الأمر أن الجنرال الأريب أوقع نفسه في شر أعماله وفي الشرك الذي نصبه لخصومه… "التيار الوطني الحر" يترنح وهو على شفا جرف.

ختاماً… الهبات هي الضائعة أم الجنرال هو الضائع؟.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل