#adsense

المصالحات تتنافى مع ذهنية عزل “القوات اللبنانية” ومحاصرتها

حجم الخط

المصالحات تتنافى مع ذهنية عزل "القوات اللبنانية" ومحاصرتها
توسيع الحوار بالقوة وراء تحريك الفتنة في الشمال المسيحي

سبب مباشر يحرّك الفتنة التي بلغت الشمال المسيحي ما إن انعقد الحوار الوطنيّ ثانية. إذ ثمة محاولة لفرض توسيع الطاولة بالقوة بدلاً من السعي لتطوير آليتها وبالتالي دائرتها التمثيلية وقيمة مداولاتها، على قاعدة الاستفادة من مناخ "المصالحات"، وثمة أيضاً محاولة لحرف هذه "المصالحات" عن مسارها كما لو أن الاستقرار على الساحة الإسلامية ينعكس بالضرورة انهياراً للاستقرار على الساحة المسيحية.

لا شك أن المخاوف التي تنتاب الشارع المسيحي الآن من انتشار الفتنة إلى مناطقه تتجاوز مسألة الحوار وتوسيعه، مثلما أن المخاوف التي انتابت الشارعين السنّي والدرزي من تفشّي الفتنة المسلّحة كانت تتجاوز مسألة "الثلث المعطّل" وتتعلّق بمسائل أكثر مصيرية وجوهرية.

بيد أن الفريق الذي حقّق مطلب "الثلث المعطّل" داخل الحكومة بقوة السلاح ناقضاً في 7 أيار "المبادرة العربية" التي نصّت على خلاف ذلك هو نفسه الفريق الذي يتعجب الآن من كون الإرهاق الأمني الذي جاب البلاد طيلة الأشهر الخمسة الماضية ساحلاً وجبلاً وبقاعاً وشمالاً لم يدفع قوى الأكثرية إلى تقبّل توسيع الطاولة على مصراعيها. فالـ"توسيع" كما يطرحه "حزب الله" وحلفاؤه ليس أقلّ من تعطيل الغاية من الحوار وتفريغ المحقق من مصالحات أو استثمارها لغير صالح الاستقرار الوطني العام.

المنطق الذي يدفع بـ"حزب الله" وحلفائه لفرض توسيع الحوار بغير الحوار هو نفسه الذي دفع الحزب وحلفاءه للمطالبة بالـ"الثلث المعطّل" بغير السبل الدستورية ولاعتماده "دستوراً جديداً" في نفس الوقت على ما صرّح به النائب محمد رعد في المدة الأخيرة من أن "الثلث المعطّل" كما "سلاح المقاومة" ثابتان قبل الانتخابات وبعدها بصرف النظر عن النتائج.

المنطق الذي يدفع إلى "التوسيع" القسري للحوار ليس أبداً تكريم حلفاء لـ"حزب الله" وقفوا إلى جانبه ودافعوا عنه و"فسّروا" له "عظمة" 7 أيار. ما يريده "حزب الله" هو إفهام من لا يفهم أن من يحقّق الثلث المعطّل بالقوة يوسّع الحوار بالقوة وأن من هو قادر على ذلك يستطيع تحويل الحوار برمّته إلى مهرجان "وفاء للمقاومة".

ويمكن بعد ذلك التأسيس على هذا المنطق الاستقوائي لتطبيع كامل تركة العهد السوريّ، والتأهّل بعد ذلك لتطبيع كامل الدائرة المعنية "جنائياً" بالمحكمة الدولية والمتورطة "جنائياً" أيضاً بمحاربة المحكمة الدولية.

المفارقة أنّه مع انتقال الفتنة إلى الشمال المسيحي يجري استهداف طرف استقلالي ما كان يمانع توسيع طاولة الحوار كما لم يكن جد معترض على توزير علي قانصو إقراراً منه بأنه "في السياسة" لا يختلف قانصو كثيراً عن أي من وزراء "حزب الله" و"التيّار الوطنيّ الحرّ"، فالثلث المعطّل "قانصوي" بمجموعه.

ما يجري الآن، وعلى نار التوسيع القسري للحوار، هو استهداف سياسي وأمني لـ"القوات اللبنانية" ومحاولة عزلها وحصارها مجدّداً عبر محاولة تكثيف العمل الدعائي المنظّم ضدّها. فبدلاً من أن تكون المصالحات في الجانب الإسلامي توطئة لمصالحات في الجانب المسيحي، فإن اللعبة التفتيتية للكيان اللبناني تحاول أن تجعل المصالحات في الجانب الأول توطئة لانتقال الفتنة في الجانب الآخر.
قوى 41 آذار أمام تحديين متلازمين الآن: مواجهة استهداف "القوات" بالتضامن معها ورفض توسيع الحوار بالقوة.

لا يعني ذلك الرفض المسبق لأي توسيع. ما هكذا تدار السياسة. المهم هو أن يكون الحوار وحده هو المرجعية الصالحة لتوسيع أركانه، والمبدأ الراعي للتوسيع لا يمكن أن يتمثّل أبداً في حاجة طرف إلى الوفاء لحلفائه، وإنما حاجة الطاولة لتمثيل كل وجهات النظر، كبيرها وصغيرها، إنما أيضاً مع تمييز كبيرها عن صغيرها. ولأجل ضمان هذا المبدأ ينطلق الحوار من حيث توقف قسرياً بسبب حرب تموز، ومن حيث لم يتمكّن من الإقلاع مجدّداً في "طاولة التشاور"، كما يستند إلى ما تحقّق في "صلح الدوحة" وفي المصالحات الأهلية التالية.

ومن يريد التوسيع عليه قبل كل شيء آخر أن يعدل عن ذهنية "إلغاء" القوات اللبنانية، والإقلاع كذلك عن تصوير "القوات اللبنانية" حيناً على أنها "الحلقة الأضعف" في الفريق الاستقلالي التي إن ضربت انفرط عقده برمّته وتصويرها حيناً آخر على أنها "الحلقة الأخطر" بحيث ينصح السنة والدروز بمراجعة تحالفهم معها.

ثمة من يتصوّر، ولو كاريكاتورياً، في الأقلية، أن الحوار الوطني يكون بإخراج "القوات اللبنانية" منه وإدخال "المردة" و"القوميين السوريين". ثمة من يحاول الإجابة في الأكثرية على أنه الأفضل لو يمضي القواتيون والمردة رأساً إلى حيث إبرام مصالحة عاجلة. الخوف مرة أخرى أن تؤجل هذه المصالحة إلى ما بعد امتداد الفتنة. بل الخوف هذه المرة أن تمتد الفتنة إلى حيث الإطاحة مجدّداً بخارطة المصالحات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل