في ظل تصاعد غير مسبوق للكراهية تجاه السياسة الإيرانية
ما هو واقع المشروع الإيراني على المنطقة وآثاره؟
بسهولة يمكن رصد المؤشرات على تزايد كره شعوب المنطقة العربية للسياسة الإيرانية هذه الأيام. الموقف السلبي من السياسة الإيرانية حالة مشتركة بين الشعوب ومعظم الأنظمة العربية.
المنطقة بين مشروعين؛ أحلاهما مر
في المنطقة اليوم مشروعان؛ أميركي وإيراني. وليس صحيحاً أنهما متعاديان في كل شيء، إذ سبق أن التقيا على مصالح كثيرة، ولاسيما عند غزو العراق وأفغانستان، فكان أن سهّلت إيران لأميركا الإطاحة بنظامي طالبان وصدام حسين، ثم قطفت هي ثمار الغزو والاحتلال الأميركي لهذين البلدين. وبعد تعثّر المشروع الأميركي، نتيجة عوامل عدة، أبرزها المقاومة الشرسة التي نشأت كرد طبيعي على الاحتلال، أطلق المشروع الإيراني أكبر حملة ترويج لهزيمة المشروع الأميركي، مستشهداً بالضربات العسكرية التي تلقاها في كل من أفغانستان والعراق وفلسطين ـ وأحياناً كان يُضاف لبنان ـ، فضلاً عن تراجع موجة المحافظين الجدد الذين حملوا مشروع استبدال الأنظمة العربية بأخرى أكثر ديموقراطية، كسبيل ناجع للحد من تفريخ الإرهاب الذي ثبت أنه يتوجه للخارج دائماً. كما استشهدت الحملة تلك بالكره الشديد لأميركا وسياساتها في العالم العربي، نتيجة الغطرسة الأميركية والانحياز الدائم إلى عدو العرب التاريخي "إسرائيل".
ومع أن معظم هذه الأمور صحيحة، بغض النظر عن "البروباغندا" المضافة، إلا أن المنطقة العربية لم تهنأ بتراجع حدة المشروع الأميركي، إذ وجدت نفسها مع الوقت مكشوفة أمام مشروع لا يقل خطورة، يهدف إلى بسط النفوذ الفارسي على العالم العربي، متوسلاً عوامل عدة، أهمها استغلال معاداة الشعوب العربية لـ"إسرائيل" ومن يدعمها، وسخط هذه الشعوب على سياسات أنظمتها الاستبدادية في الغالب، والتعثر الفعلي لمشروع المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، وصعود المد الإسلامي المقاوم… غير أن أخطر ما توسّله هذا المشروع، هو الوجود الشيعي في الدول العربية والإسلامية، وصولاً إلى محاولة تشكيل هلال شيعي من إيران وصولاً إلى فلسطين، عبر العراق وسوريا ولبنان، حيث تشهد كل من فلسطين والعراق ولبنان صراعاً حاداً بين المشروعين الأميركي والإيراني، بما يؤدي إلى حالة من الاضطراب السياسي والأمني، والتجاذب غير الموضوعي في أكثر الأحيان. ففي لبنان على سبيل المثال يتهم كل من يرفض أو ينتقد سياسة "حزب الله"، المدعوم من المشروع الإيراني، بأنه تابع للمشروع الأميركي، والعكس صحيح، مع العلم أن معظم الشعب اللبناني لا يوالي ولا يحبذ انتصار أي من المشروعين.
معاداة المشروعين معاً
حدة الصراع بين المشروعين الأميركي والإيراني جعلت تراجع أي مشروع وكأنه انتصار للمشروع الآخر، ولو كانت أسباب التراجع منفصلة كلياً عن هذا المشروع الآخر. وعلى سبيل المثال فإن معظم تشكيلات المقاومة العراقية، التي لعبت دوراً أساساً، في تراجع المشروع الأميركي في العراق والمنطقة، ليست إيرانية الصنع، بل هي تعادي النفوذ الفارسي في العراقي وتقاتله بالسلاح، بالقدر نفسه الذي تقاتل فيه الجيش الأميركي المحتل. صحيح أن إيران تحاول استغلال المقاومة العراقية، ونسج صورة المنتصر على أميركا من خلالها، غير أن الأصح أن المقاومة العراقية السنية في غالبيتها العظمى، ومعها جماهير واسعة من الشعب العراقي، بمن فيهم الشيعة والأكراد، باتت تكن عدائية شديدة للسياسة الإيرانية في العراق.
وقد خلق هذا الواقع حالة عامة من رفض المشروع الإيراني، وبدون تمييز بين الشيعة وإيران في كثير من الأحيان، لدرجة أن رجلاً وسطياً كالعلامة يوسف القرضاوي، حذّر قبل أيام، مما أسماه "الغزو الشيعي للبلاد العربية"، وهو موقف غير مسبوق لمؤسس ورئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، الذي يضم علماء من السنة والشيعة ومن مذاهب أخرى. القرضاوي ذهب أكثر من ذلك، في تصريحاته إلى صحيفة "المصري اليوم" في العاشر من أيلول الجاري، والتي نقلتها صحف عربية عدة، فطالب بـ"تحصين السنّة ضد الغزو المذهبي الشيعي، لأننا كنا دائماً نعمل على ترك مسائل الفتنة لنوحّد المسلمين". وهو إذ توقّف عند مسألة التشييع، وسب الصحابة، والقول بتحريف القرآن، ضرب أمثلة من مصر، والسودان، والمغرب، والجزائر، وماليزيا، وأندونسيا، ونيجيريا. وإذا كان القرضاوي، "الإخواني" المشرب، قد تكلّم بهذه الحدة، فلنا أن نتخيّل موقف التيارات السلفية (الوهابية)، واسعة الانتشار في الحجاز، من الشيعة وإيران، ثم نتخيّل بعد ذلك مقدار الجرح المعنوي، والخطر الوجودي، الذي يصيب الأقليات الشيعية في البلدان العربية، عندما يطالها هجوم من هذا النوع، بجريرة السياسة الإيرانية. ولكن بدل أن يأتي الانتقاد للعلامة القرضاوي من الشيعة العرب فقد جاء من إيران، ليصب على الزيت ناراً، إذ اتهم خبير الشؤون الدولية بوكالة "مهر"، القرضاوي بـ"النفاق والتحدث نيابة عن الحاخامات اليهود"، داعياً إياه الى أن يدرك "أن استبصار الشباب العربي وتوعيتهم، ومن ثم توجههم نحو المذهب الشيعي الإسلامي الثوري أصبح شيئاً من الواقع لا يحتاج الى مال ولا دعايات ولا قنوات فضائية، بل هذا التوجه يأتي ضمن معجزات أهل البيت عليهم السلام".
ولا ينبغي في معرض دراسة هذا الواقع نسيان أن الرئيس المصري حسني مبارك كان قد شكك بولاء الشيعة لدولهم، وأن العاهل الأردني عبد الله الثاني هو أول من تحدّث عن هلال شيعي في المنطقة، ما يعني أن الكلام بحق الشيعة ليس محصوراً بالجماعات الدينية، وأنه يتعدى الشعوب إلى الحكام أيضاً. وللحق، فإن الكلام عن الشيعة بهذا الشكل غير مقبول، إذ لا يجوز اعتبار كل الشيعة أدوات للمشروع الإيراني ولنظرية ولاية الفقيه، كما أنه من غير الإنصاف تجاهل إسهامات الشيعة العرب وتضحياتهم من أجل أوطانهم، وتآخيهم مع السنّة طيلة قرون خلت.
"القاعدة" على الخط
ثمة توتر إذاً في العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية، أفقياً وعامودياً وعلى كل مستوى، بما يتعدى التبرير السخيف الذي ينظّر له حلفاء "حزب الله" في لبنان، تارة بالنفي، وتارة باتهام الصهيونية العالمية، إذ ليس عادياً أن يخصص تنظيم "القاعدة"، عدو أميركا الأول، خطابه في الذكرى السابعة لأحداث 11 أيلول، لـ"الحملة العسكرية والإيديولوجية والإعلامية من التحالف الإيراني الصليبي، والذي أفسح المجال أمام غزو الأميركيين للعراق وأفغانستان"، مدللاً على ذلك بأنه "لم تُصدِر سلطة شيعية واحدة، سواء داخل العراق أو خارجه، فتوى تفرض الجهاد وحمل السلاح ضد الغزاة الصليبيين". ويعتبر هذا الخطاب لأيمن الظواهري، تطوراً نوعياً في توجهات "القاعدة" بعدما كان الرجل نفسه قد دعا الى التوحّد على قتال "إسرائيل" إبّان عدوانها على لبنان في العام 2006، وهو نفسه من رفض توجهات زعيم "القاعدة" في بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي، الذي قتلته القوات الأميركية، بسبب عدائه الشديد للشيعة وإيران.
وواقع الحال أن "الجهاديين" السنّة في العالم، باتوا يتناقلون رصيداً كبيراً من مشاعر الغضب تجاه ما يسمونه "المشروع الإيراني الصفوي"، لكن الخطير في الأمر أن هذه الطروحات باتت تجد صدى لدى الجماهير العربية، بعدما وصلت "القاعدة" إلى مستوى عالٍ من الرفض العربي العام، بسبب العمليات التي شنتها داخل الدول العربية والإسلامية، والتي راح ضحيتها أبرياء في الغالب، فضلاً عن ممارساتها في العراق، فإذا بتوجّس المجتمعات العربية من إيران، في عهد أحمدي نجاد، وتصدي "القاعدة" لـ"مشروع تصدير الثورة الإيرانية من جديد"، يعيد بعض التقبّل لطروحات هذه التنظيمات المتطرفة.
دول الهلال الموعود
ثمة أهمية خاصة لنظرة الشعوب إلى المشروع الإيراني في الدول الممتدة من إيران إلى فلسطين. الزائر للعراق هذه الأيام، يسمع كلاماً واضحاً عن سوء ما تقوم به إيران في هذا البلد المنكوب؛ من تسليح ورعاية للجماعات المسلحة كافة، ومن تصفيات انتقامية طالت ضباطاً برتب رفيعة في الجيش العراقي السابق، ممن شارك في الحرب ضد إيران، ولاسيما الطيارين والعلماء، ومن سرقة لخيرات العراق وموارده لاسيما النفطية منها، وصولاً إلى المصارف والشركات الوهمية الهاربة من العقوبات على إيران إلى الفوضى العراقية، وغير ذلك كثير. ما يلفت الانتباه هذه الأيام أن الاستياء لم يعد محصوراً بالسنّة، بل صار حالة عراقية عامة. إذ تشهد مدينة البصرة، ذات الأغلبية الشيعية، على سبيل المثال، حملة لمقاطعة البضائع الإيرانية، من باب مواجهة "الاحتلال الفارسي". وتأتي هذه الحملة بعد أن شهدت المدن ذات الغالبية السنية حملات عدة في العامين الماضيين، لمقاطعة البضائع الإيرانية، وصل بعضها إلى حد تحريم شراء هذه المنتجات، بفتاوى وقّعها علماء كبار على رأسهم الدكتور عبد الوهاب الكبيسي، وكان التعليل هو "الحد من دعم إيران للمليشيات الطائفية المسلحة والجماعات الأخرى التي تهدر الدماء وتسلب الأعراض".
بالانتقال إلى سوريا فإن مبعث الاستياء الأساس هناك هو حملات التشييع، وانتشار الحوزات، وتوسع النفوذ الإيراني، فضلاً عن رفض السوريين للهيمنة الإيرانية على سياسة بلادهم. حالة الاستياء وإن كانت موجودة في سوريا إلا أنها تبقى مكتومة في الغالب، فنظام دمشق استبدادي لا يرحم. وحده الدكتور وهبة الزحيلي، ممن يعيش في سوريا، تجرّأ علانية على "انتقاد" ما يجري، لكن الكلام الأوضح يمكن سماعه من السوريين المنفيين طوعاً أو قسراً.
أما في غزة، وعلى الرغم من الدعم المالي الإيراني الكبير، فإن نقزة الناس هناك من الطموحات الإيرانية بات أوضح. وتتناقل الصحافة في غزة قصة رفض محمود الزهار، القيادي في "حماس"، الطلب الإيراني بفتح حسينية في القطاع، أثناء زيارته إلى طهران في الحكومة الي شكّلتها "حماس" بعد فوزها في الانتخابات النيابية، وذلك في معرض نفي "حماس" وجود غطاء للتشييع في غزة، بعد إثارة الصحافة لملف جمعية "سفينة النجاة" والحسينية التابعة لها في القطاع، ووجود عدد من المدعومين من إيران، ممن ينشر التشيّع في رفح ومخيم الشاطىء. كما أنه غني عن البيان، حالة الاحتقان بين السنة والشيعة في لبنان، ولاسيما بعد أحداث السابع من أيار.
وخارج هذا الهلال "الموعود"، يمكن رصد حالة من السخط على السياسة الإيرانية في المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج. إذ تعاني البحرين من اضطرابات دائمة لا تقف إيران بعيدة عنها، فيما تتعرض الإمارات العربية لمنطق قوة إيراني، سلب منها ثلاث جزر، فيما وصل الأمر في الكويت إلى حد حديث النائب ناصر الدويلة عن وجود الآلاف من "فيلق القدس الإيراني" داخل الكويت، تحت غطاء عمال أجانب، فضلاً عن اكتشاف معسكرات تدريب في الصحراء، واختراقات لأجهزة الأمن الكويتية. ولا يخفى أيضاً مشكلة الحوثيين في اليمن، ومشكلات مشابهة في شمال القارة الإفريقية.
وإذا كان منسوب الكره معياراً لتراجع المشروع الأميركي لدى نظيره الإيراني، فإن مآل هذا المشروع الأخير سيكون وخيماً، وسيؤدي إلى اضطرابات فتنوية في المنطقة العربية، مع تصاعد موجة الكراهية والتوجس تجاهه، إذ باتت الشعوب والحكومات العربية تدرك أن الطموح الإيراني التوسعي، والصراع بين المشروعين الإيراني والأميركي، ثمنه المنطقة العربية، باستقرارها وخيراتها ووحدة شعوبها، وثمة مصلحة حقيقية للمنطقة بأسرها أن يحصل تفاهم على حجم النفوذ الإيراني وحدوده، بالتوازي مع تفاهم حول الملف النووي الإيراني، بما يجنّب المنطقة وإيران الكارثة، لكن يبدو واضحاً أن إيران تريد أن تكون هي ـ وليس غيرها ـ القوة الإقليمية الوحيدة، مع ما يرتب ذلك من مخاطر عليها وعلى الشيعة الذين تحاول إيران استرهانهم لمشروعها.