الأكثرية النيابية في مجلس النواب اللبناني هي العمود الفقري للتحكم بالمؤسسات الدستورية اللبنانية، لذا فإن الساسة اللبنانيين بدأوا بالتحضير للإنتخابات القادمة في العام 2013، وكان أولهم الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله حين دعا قبل شهر في إحدى خطبه- الى جعل لبنان دائرة إنتخابية واحدة مع النسبية. ولكن بات اللبنانيون يعلمون في اغلبهم أنه حين يدعو زعيم طائفة أو قائد حزب سياسي أو رجل سياسة لبناني الى إجراء الإنتخابات النيابية على أساس لبنان دائرة إنتخابية واحدة وفقاً للنسبية، يكون إما مزايدا على سائر اللبنانيين، أو أن العصبية من حول زعامته أو حزبه آخدة بالوهن أو الإنحلال، أو أنه يرمي بالون إختبار من أجل السير بقانون إنتخابي آخر لم يجد إجماعاً حوله بعد.
ففي بلد لم يُحص عدد سكانه منذ عقود، ولم يحص عدد الناخبين الذين ينتمون الى كل طائفة، فإن المجاهرة بجعله دائرة إنتخابية واحدة مع النسبية هو محض تزييف ومطالبة غير جدية لأنها لا ترفق بأي فعل على أرض الواقع. وعلى سبيل السؤال، لو وافق جميع اللبنانيين طوائف وأفرقاء سياسيين على طلب السيد نصرالله، هل سيمشي معهم في تحويل موافقتهم الى أمر واقع أم انه سيعيد السيد قراءة حساباته؟
سيعيد قراءة حساباته
طبعاً، أولاً لأن كل فريق من الفريقين السياسيين اللبنانيين- على إعتبار أن الإنقسام بين موالاة ومعارضة وبين 8 و14 آذار ما زال قائما- سيعمل جاهدا بكل ما أوتي من قوة لحصد الأكثرية النيابية التي ستقرر مصير البلاد والعباد للأربع سنوات اللاحقة على الإنتخابات، والأكثرية هذه المرة ستكون بالتأكيد من دون إعطاء اي طرف حق أن يكون بيضة القبان كما كان الحال منذ إنتخابات 2005، فالبلاد على شفير الهاوية، والمستقبل مصيري، وما يجري في العالم العربي وسوريا زلزال سيكون له إرتداداته على لبنان، عدا عن ان الشدّ المتطاول في موضوع إستفراد فريق "سلطة هذه المرحلة" بإدارة البلاد بشكل مطلق لن يمر مرور الكرام في المرحلة المقبلة.
لذا سيعيد "حزب الله" حساباته لأن النسبية لن تسمح بوصول أكثرية واضحة لمصلحته الى مجلس النواب، لأنه في الدورتين الإنتخابيتين الأخيرتين كان الخاسرون الأوائل في دوائر حزب الله هم من معارضيه وكذلك الأمر في دوائر النائب ميشال عون، لذا فإن النسبية تدفع هؤلاء الى السطح. ولأنه من غير المؤكد أن "لبنان دائرة واحدة" سيعطيه مع حلفائه أكثرية صافية، لا على أساس الإحصاءات ولا على أساس المترتبات السياسية المحركة لآراء اللبنانيين منذ جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 والجرائم التي وقعت بعدها وآثارها الممتدة حتى الآن.
ثانياً، لأن نتائج الإنتخابات البلدية الأخيرة في جنوب لبنان وبعض مناطق البقاع أعطت اليسار والمستقلين وجماعات "الحركة الوطنية" السابقين نسبة تزيد على الثلث من أصوات الناخبين، وهذه إشارة لها دلالاتها الكبيرة في مناطق كان "حزب الله" قد سيطر عليها سياسيا وإقتصاديا وأمنيا وبالتالي إنتخابيا، مع حليفته حركة "أمل" على مدى عقدين منذ مطالع التسعينيات.
هذه النتائج تشير الى تململ شعبي آخد بالإتساع من سياسات "حزب الله" التي بدأت جراء توزيع المساعدات المالية بعد حرب تموز 2006 حيث تم التمييز بين المحازبين وباقي المواطنين، ثم من خلال تشديد الحزب قبضته الأمنية محليا عبر التدخل في تفاصيل أنماط عيش المواطنين في البلدات والمدن الصغيرة حيث ازداد التشدد الديني وارتفعت حدته، وحيث بدا الثراء الظاهر على المسؤولين والمنظمين وعناصر "حزب الله" فيما المواطنون المنكوبون جراء الحرب ينتظرون مساعدة من هنا أو من هناك كي يكملوا بناء منازلهم.
رد "حزب الله" على التحرر الحزبي جراء وفرة المال والرفاه المستجد، وعلى إنفكاك الجمهور العام ولو ببطء عن مركز الحزب، بتشدد ديني برز بزيادة الإحتفالات الدينية والعمل الدؤوب لبناء المراكز الدينية، وبذل الجهد لإستقطاب معظم الفئات عبر إشعارهم بأن الطائفة وحيدة في خضم البحر السني الهائج. ولكن كما هو حال شيعة لبنان، فإن مثل هذه المحاولات لا تنطلي عليهم بل ويزدادون إنصرافا عنها كلما إزدادت تشددا.
أما السبب الثالث الذي سيجعل مطلب "حزب الله" مجرد بالون إختبار، فهو عدم تهليل حلفائه وعلى رأسهم "التيار الوطني الحر" وزعيمه العماد عون لهذا الإقتراح، بل ومجاهرة بعض نوابه برفض أن يكون لبنان دائرة إنتخابية واحدة، وبالتأكيد فإن هذا الرفض سينطبق على النائبين سليمان فرنجية وطلال أرسلان وكذلك الوزيرين السابقين وئام وهاب وفايز شكر والحزب الشيوعي-خالد حدادة الذين لا يتمكن ناجحهم في القضاء من النجاح الا بشق النفس.
لكن كي لا يكون الأمر برمته دورانا حول فائدة أو ضرر النسبية والدائرة الواحدة على حزب الله وحلفائه في الإنتخابات النيابية القادمة، لا بد من طرح تساؤل قد يبدو غير واقعي ولكنه منطقي بالتأكيد: هل من الممكن أن تكون الدعوة الى الدائرة الواحدة والنسبية مقدمة لتعطيل الإنتخابات المقبلة في العام 2013، طالما أن "الستاتيكو" السياسي في المنطقة لم يرس على حال بعد؟