#adsense

معركة في الكورة يتردّد صداها في كلّ مدن الربيع

حجم الخط

كتب اسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":

للمرّة الألف تخرج انتخابات فرعية في قضاء صغير عن كونها مجرّد تنافس على مقعد نيابي بين حزبين، لتصبح معركة بين خيارات سياسية على مستوى لبنان هذا إنْ لم يكن على مستوى المنطقة.

بناءً على ذلك، فإنّ سمير جعجع الذي يخوض معركة الكورة، لا يبدو مجرّد رئيس حزب مسيحي تقليدي نجح إلى حدّ مقبول في نقله من مناخ الحرب إلى رحاب السلام، بل يظهر للحلفاء والخصوم بصورته الحقيقية كصاحب خيار تاريخي سيؤدّي حكماً إلى ترسيخ دور المسيحيين في لبنان والمنطقة على قواعد لا تحتمل الالتباس: "موجودون على هذه الأرض بكرامة وحرية، متفاعلون مع محيطهم ومشاركون معه في صناعة مستقبل جديد مبنيّ على ترسيخ منظومة الربيع التي لا تُخطئ الطريق في إرساء قيم الحرية والليبرالية واحترام حقوق الإنسان وسائر مفاهيم الحداثة".

قد يكون سخيفاً أو مبالغاً فيه توصيف معركة الكورة الفرعية بعائلاتها وحساسياتها الحزبية الصغيرة وبالعداء التاريخي المترسّخ بين "قومي" من هنا، و"انعزالي" من هناك كأنّها استنساخ سياسي لمعارك عسكرية تجري الآن في حمص ودرعا ودير الزور، وقد يكون كاريكاتوريّاً أيضاً وضع هذه المعركة في خانة واحدة مع ما جرى في القاهرة وتونس، ولكن مع كلّ هذا الحذر في تحديد الأوصاف، فإنّه من دون تردّد لا يمكن فصل ما جرى وسيجري في الكورة عن صدام الخيارات الكبرى لدى المسيحيين.

إنّها معركة الخيارات التي كانت لدى جعجع ومسيحيّي 14 آذار الشجاعة في تبنيها، تشبيهاً بالانتخابات الفرعية التي أعقبت اغتيال بيار الجميّل الذي استشهد بسبب هذه الخيارات.

إنطلاقاً من هذا الواقع، فإنّ معركة الكورة التي تدور شكلاً بين "القوات اللبنانية" و"حزب أسعد حردان" (قطاعات أساسية من الحزب القومي تعترض على قيادته وخياراته) تحصل عمليّاً بين طرفين يمتدّ صراعهما من الكورة إلى بيروت إلى دمشق وسائر عواصم الربيع العربي.

وإذ كانت "القوّات اللبنانية" قد شكّلت رافعة هذه المعركة، فإنّ سائر قوى 14 آذار وقوى المجتمع المدني المنضوية جميعها في دعم خيارات التغيير في لبنان وسوريا ومصر، هي المعنيّة الأولى بعدم إتاحة الفرصة لثلاثة حلفاء أساسيّين للنظام السوري، أن يربحوا في دائرة أغلبيتها مسيحية، معركة يستطيع بعدها القول إنّه يملك ورقة المسيحيين "الخائفين" من الربيع في سوريا ولبنان.

المعركة ستكون استفتاءً حقيقيّاً، وكما فازت قوى 14 آذار في استفتاء العام 2009 حول السلاح، سيكون في الكورة رأي الناخب المسيحي حاسماً في موقفه من الربيع العربي ومن الاستمرار في احتضان منطق العبور إلى الدولة.

في الكورة، سيقول الناخب هل هو مع مرشح حزب يتباهى وحلفاءه بدعم النظام السوري أم هو مع المرشّح الآخر الذي حيّا حزبه ثوّار سوريا لصمودهم في معركة الإنسان الواحد والقضية الواحدة في مواجهة أنظمة الاستبداد، خصوصاً النظام السوري الذي يمارس في المدن السورية الأساليب عينها التي مارسها في الأشرفية وطرابلس وزحلة. قد يكون الهجوم الإعلامي المبكر والمبرمج على سمير جعجع أحد أدوات حلفاء النظام السوري لتفادي تظهير المعركة على حقيقتها (معركة الخيارات) ولحرفها إلى متاهة نبش قبور الحرب الأهلية. لكنّ ذلك لن يؤدّي إلى ضياع الصورة الأولى الأكثر دقّة المتمثّلة بكون "القوّات اللبنانية" قد عبرت، قبل اعتذار سمير جعجع وبعده، الطريق إلى السلام والشراكة. فهذه الصورة باتت راسخة إلى درجة أنّها تفوّقت على كلّ مشاهد الحرب القاسية، خصوصاً تلك التي يحرص خصوم جعجع على نبش قبورها، من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم في الوقت الذي يرجمون "القوّات" بحجارة الماضي، يبنون المزارات لكلّ من اقترفوا من حلفائهم أبشع الجرائم، ولهم في مجزرة 13 تشرين خير مثال على تسامحهم بعدما انتحلوا باسم الضحايا والشهداء وكالة غير قابلة للعزل، لفتح القبور وإقفالها تبعاً لتيار المصالح الذي جوّف التيار.

 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل