يعتبر الشارع من أخطر الأسلحة، لا بل أخطرها، والذي من شأنه أن يبدّل ملامح الخرائط السياسية من خلال تحرير نبض الناس. وهو سلاح فتّاك بيد الجميع، متاح للجميع، تمتلكه الفئات كلّها. يعزل وينحّي، أو يبرز ويزعّم، فهو سلطة تمسك بقرار التغيير متى أرادت وأين. والغريب أنّ التغيير بالشارع لا يكون بالضرورة نحو الأفضل والأصلح، لكنّه بالضرورة تحقيق لرغبة الشعب.
لقد تطوّر مفهوم الشارع في الذهن الجماعي، فبعد ارتباطه بالفساد الأخلاقي الذي حذّر منه القيّمون على التربية في كلّ مراحلها، أمّنت قراءة جديدة له حيّزا متجاوزا، فلم يعد ذلك المكان المعتاد بل أصبح بوّابة المرحلة الآتية، والبوّابة الوحيدة.
لقد أعلن الشارع عن تدشين ثقافة الصّيحات، والتي حاز من انتهجها على هويّة جديدة هي هويّة اللّحاق بالشارع. وهذا انتماء حصّل من تبنّاه رهبة كان لها الكلمة الفصل في تغيير مسار الحوادث لا بل مسار التاريخ. لم يعد الصّمت مرادفا للشارع، فكل صوت يتسلّل منه يقلق. كلّ صوت له وقع، ما أنتج حيثيّة مختلفة وهي أنّ الشارع يرفض أيّ وصاية عليه. من هنا، تفوّق الشارع على ما عداه، تفوّق على كلام البيوت والمكاتب والنوادي، وصار لصدى الصيحة في الشارع وطأة أشدّ، وكذلك عقاب أكبر.
لقد أصبح الشارع مرادفاً للوعي، وهذا لا يعني أن ليس هناك شوارع نمطيّة عنوانها: "لبّيك…"، يردّد المقيمون فيها ما تنطق به الشّاشة أو الّلوح الزّجاجي الواقي. والوعي كالفضيلة ينتقل بالعدوى، فلا بدّ من انتقال ما تبقّى من الشارع "الشّاشوي" الى زمن التنوير، الى زمن اقتحام الحذر من الإنعتاق، الى تبديل المفروض بالإحتجاج، الى استبدال "لبّيك" بـ "الشعب يريد…".
الشارع يعني أنّ هناك رأيا عاما عريضا عابرا لمواقف السياسيّين والإلهيّين والمتسلّطين، هؤلاء الذين اختزلوا حناجر الناس وعزلوا مطلب الشعب وحاصروا رغبة الجماعة في التعبير عن رأيها. والشارع انتفض، في كلّ الأمكنة انتفض، لم يعد يهتف لطرح منزل أو لمقدّسات مفروضة، لقد سفّهها وبدّل رهانه، تحرّر من اليافطات الجاهزة وأسقط المتواطئين عليه وقاد نفسه بنفسه الى حيث ينتمي، الى الحراك الغاضب المتفلّت من كونه موظّفا للتقليديّين من أصحاب النفوذ. لقد "ولد" الشارع نفوذيّين جددا، يقودونه في مهمّة نضاليّة ضروريّة لم تنجز بعد، هي سدّ الفجوة بين الوطن والسيادة.
الشارع مش لحدا، الشارع للجميع، فليستيقظ الواهمون.