بصفقة سياسية بين الاكثرية والمعارضة او من دونها لم تكن الحكومة لتعدم حيلة في ايجاد المنافذ للانفاق المالي من خارج الموازنة، لكن الصفقة سهلت لها تخفيف الاختناقات التصاعدية ومنحتها "براءة" القوننة عن الانفاق حتى تشرين.
مذهل الوسط السياسي حين يملي تقاطع المصالح لديه تسوية يخرجها من اكمام الطباخين المهرة في اللحظات غير المحسوبة. ولو كان الملف المالي مادة شعبية تستثير العواطف لكان على جمهور الاكثرية والمعارضة ان يمارس هوايته المفضلة في اطلاق الرصاص ابتهاجا بصفقة ساحة النجمة. ولكن، ولحسن الحظ، ان آخر هموم الناس يقف عند اي طريقة لتسييل الانفاق الحكومي ما دام العرف العام هو ان الدولة عندنا هي المنتهك الاول للقوانين والاصول.
هذه الصفقة لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة، لكن دلالتها فريدة جدا. وسط سياسي بوجهيه الموالي والمعارض يكاد التحارب بينهما ينذر بكل الاهوال تراه يقدم حيث لا تتوقع على "محظور توافقي" مباغت. تفيد الموالاة من ضخ بقايا عافية تحتاج اليها بشدة لتعويم اضافي لحكومتها، وتفيد المعارضة من استدراج خصومها الى مزيد من الانتهاكات والتجاوزات. بذلك يستوي المتهم (بكسر الهاء) والمتهم (بفتح الهاء) في ملف عمره من عمر الصراع الازلي بين الفريقين. وبذلك يمضي كل منهما هانئا نحو غدرات الزمن الحالي والطالع نحو تشرين. وما ادراك ماذا سيحمل تشرين هذه السنة؟ اهو الزلزال المتدحرج الوافد في يوميات لبنان التي لا ينام معها اللبنانيون على "هم عتيق"؟ ام هو الاعتمال الامني والسياسي الحار على نار الانهيار السوري ؟ ام هي طلائع التقاطع الابدي (الاخير هذه المرة؟) بين النظام السوري واسرائيل على العبث بالساحة الاحب التي تشكل متراسا متقدما لكليهما سلماً وحرباً؟ ام هي شرارة الحمى الانتخابية التي تستلزم هدنة على الجبهة المالية للتفرغ لسائر المحاور الاخرى في المدن والبلدات والقرى العطشى لكل شيء في زمن الضحالة والتصحر والاهمال وتفريخ الازمات المتعاقبة على يد سلطة العجز؟
كل هذا لن يحول دون انبهار الناس بالقدرة الساحرة للوسط السياسي على اجتراح الصفقات والتسويات "من خارج النظام" والانتظام والاصطفاف والانقسام حين تهبط المصالح الى موقع الاولويات الساحقة. انبهار لا ندري ان كان "نجوم" هذا الزمن، واكثرهم سطوعا الان الشيخ الاسير، يسمح للاقطاب التقليديين بان يستعيدوا بعض الوهج.
وما دامت قابلية الادهاش قد انفتحت لدى هؤلاء الاقطاب، فما رأيهم لو يفاجئون الناس في جلسة حوارية مقبلة بما يسحب الغطاء عن كل نجم متطفل جديد في هذا الشارع او ذاك وبشيء ما سيادي خالص على الاقل؟