#adsense

القوات” استعادت عصبها الشعبي في “يوم شهداء المقاومة اللبنانية” في جونيه

حجم الخط

القوات" استعادت عصبها الشعبي في "يوم شهداء المقاومة اللبنانية" في جونيه
جعجع اعتذر "بعمق" عن كل جرح أو أذية خلال الحرب: المصالحة المسيحية تكون حول الثوابت التاريخية و"ثورة الأرز" لن تسقط

يوم "شهداء المقاومة اللبنانية" كان يوم 14 آذار و"قواتيا" بامتياز، حشداً وتعبئة، وحضوراً شعبياً ضخماً استعاد عصب مؤسسة القوات وعناوينها البارزة، ان في خطاب رئيس الهيئة التنفيذية للحزب الدكتور سمير جعجع في الدفاع عن الدولة والثوابت المسيحية، او في ماكينة التعبئة النظامية التي حركت عشرات الآلاف في وفود كبيرة تقاطرت من كل انحاء لبنان ومناطقه حاملة اعلامها وشعاراتها الحزبية و"العسكرية" واهازيجها وهتافاتها المستعادة من زمن الحرب.

الحشد الضخم هو الاول بهذا الحجم في المناطق المسيحية وبين احزابها، واستعراض نوعي وكمي للقوة قدمته "القوات"، تجلى في مشاركة سبعة الاف نظامي وكشفي في ترتيب امور المهرجان، اضافة الى مئات من المسؤولين المركزيين والمناطقيين جهدوا في أعادة تظهير "القوات" مجموعة حزبية نظامية ذات باع طويلة في التعبئة والحشد. ولم يتأخر جعجع عن رفد الذكرى بخطاب طويل ومفصل تضمن جملة عناوين بارزة تعني اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً وتشغل بالهم. رئيس القوات تقدم باعتذار صريح امام الحشود والرأي العام "عن كل أذية او خسارة او ضرر غير مبرر تسببت به القوات خلال الحرب"، وهو في ذلك الاول بين الزعماء الذي يقدم اعتذاراً عما جرى خلال الحرب التي انتهت قبل 18 عاما امضى منها جعجع 11 عاماً سجيناً. واضاف جعجع الى مقدمة الخطاب رداً مفنداً على من يهاجمون "القوات" اعلامياً ويتهمونها بممارسات في زمن الحرب، وكان له كلام في الرد على من تحولوا من شعار "وطني دائماً على حق" الذي اطلقه الرئيس الراحل سليمان فرنجية الى شعار: "سوريا دائماً على حق".

وتجاوب جعجع مع دعوة الكنيسة الى المصالحة التي اطلقها المطران رولان ابو جودة بالاعتذار اولاً ثم بالتشديد على استبعاد عوامل الفرقة وعدم نبش قبور فارغة تمهيداً للوصول الى الوحدة المسيحية، لكنه طرح اسئلة على المعنيين بالمصالحة منها: "هل نتوحد على بقاء سلاح حزب الله؟ ام على اتخاد سوريا اماً حنوناً جديدة لنا؟ ام هل نتوحد على حساب الدولة اللبنانية وعلى المطالبة بالتحقيق في من ارسل طوافة الجيش الى سجد؟". ورأى ان الوحدة المسيحية تكون بالالتفاف حول الثوابت المسيحية، وان اي نقطة جامعة للوحدة تكون بالعودة الى هذه الثوابت التاريخية التي حركت الوجدان الجماعي للمسيحيين، بدءاً من "الحلف الثلاثي" الدي ضم الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده الى بيانات "الجبهة اللبنانية" ومقرراتها في سيدة البير ودير عوكر.

ولم ينس جعجع موضوع الانتخابات النيابية داعياً المسيحيين الى التنبه فيها "لأن خلاص لبنان في ايديهم" ولأن مصير لبنان برمته يتوقف على نتائجها وحض الرأي العام المسيحي على "التخلي عن الاعتبارات الصغيرة الضيقة والانتخاب على اساس تاريخي ووجداني واخلاقي والتزام الثوابت الكيانية المسيحية والا فأنهم سيتسببون بتراجع لبنان ووقوعه في خطر الديماغوجية والشعوبية". وفي موقف متقدم ودعوة الى المصالحة، طلب ممن يضمرون له العداء الشخصي الى التفكير في مصلحة لبنان فحسب وتحديد لبنان الذي يريدون وهو للجميع". واعتبر ان "الاستراتيجية الدفاعية تكون بحصر السلطة العسكرية والامنية في يد الدولة وحدها، ودعا الى الالتفاف حول الرئيس العماد ميشال سليمان والتخلي عن زعماء ما وراء الحدود.

جيل جديد من "القوات"

وكانت ساحة المهرجان في الباحة الخلفية لمجمع فؤاد شهاب اكتظت منذ ليل السبت – الاحد بالمجموعات القواتية التي اخذت تصل تباعاً من مختلف المناطق خصوصاً البعيدة منها في البقاع والشمال والجنوب، وكانت تلقت تعليمات صارمة من القيادة الحزبية بالوصول بهدوء منعاً لأي محاولات لأفتعال المشاكل، حيث كانت في استقبالها اللجان التنظيمية. ثم تسارعت وتيرة الوفود لتبلغ ذروتها مع اقتراب موعد المهرجان، وامتدت قوافل الحافلات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة والسيارات على مسافة طويلة على مختلف الطرق المؤدية الى ملعب جونية حيث خصصت مواقف للآليات، وكانت الحشود تتوجه الى مكان المهرجان الذي وضعت فيه 25 الف كرسي خصصت لاصحاب البطاقات الذين كانوا يخضعون لتفتيش دقيق عند مداخل خاصة. وكان على الحزبيين والانصار اتاحة المجال امام المدعوين الذين جرى توزيعهم في آلية خاصة. ولوحظ في الحشد "القواتي" طغيان عنصر الشباب الذين تراوح اعمارهم بين 17 و21 عاما ويمكن القول انه جيل جديد من "القوات" سمع عن الحرب وعرف بها لكنه لم يشارك فيها.

وأقيم في مكان المهرجان مذبح رفع خلفه صليب كبير غير مشطوب ولوائح بأسماء "شهداء القوات". وعلى يسار المذبح ارتفعت صورة ضخمة للرئيس الراحل بشير الجميل بين علمين للبنان و"القوات اللبنانية"، والى جانبها لوحة ضخمة ضمت صور الشهداء والرؤساء بشير الجميل رينيه معوض، والرئيس رفيق الحريري، رئيس "الاحرار السابق داني شمعون، النائب الزميل جبران تويني، الزميل سمير قصير، المناضل الشيوعي جورج حاوي، اللواء فرنسوا الحاج، النائب وليد عيدو النائب والوزير بيار الجميل، النائب انطوان غانم وغيرهم من "شهداء ثورة الأرز". اما مقاعد الحضور فتوزعت على الرسميين واهالي الشهداء والوفود الحزبية المختلفة وتقدمهم ممثل رئيس الحكومة وزير المال محمد الشطح، الرئيس أمين الجميل، الوزراء نسيب لحود، ايلي ماروني، ابرهيم نجاروانطوان كرم، النائب هادي حبيش ممثلاً رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري، النواب رياض رحال، عاطف مجدلاني ومصطفى علوش من كتلة "المستقبل"، وفد من كتلة "اللقاء الديموقراطي" ضم النواب مروان حمادة واكرم شهيب ونعمة طعمة وعبدالله فرحات، نواب كتلة "القوات": فريد حبيب، ايلي كيروز، ستريدا جعجع، جورج عدوان وانطوان زهرا، والنواب نائلة معوض، بيار دكاش، نقولا فتوش، بطرس حرب، الياس عطالله وصولانج الجميل، والنواب السابقون الياس الخازن، فارس سعيد، غابي المر وكميل زيادة. ومنسق اللجنة المركزية في الكتائب سامي الجميل، ممثل حزب الوطنيين الاحرار امينه العام الياس ابو عاصي، السيدة دوروثي شمعون ممثلة زوجها دوري شمعون، ايلي محفوض وبسام خضر الآغا من "التيار الوطني الحر – الحركة التصحيحية"، يمنى ونديم الجميل استقبلهما الحشد بهتافات وتصفيق مدو، اهالي المعتقلين في السجون السورية تتقدمهم زوجة عضو المكتب السياسي الكتائبي بطرس خوند، الاعلاميون مي شدياق، انطوان شويري ونايلة تويني، رئيس اقليم كسروان الكتائبي سجعان القزي وانطوان حداد ممثلاً حركة "التجدد الديموقراطي" وحشد كبير من الشخصيات السياسية ورجال الدين المسيحيين من مختلف الطوائف.

اكليل من سليمان

"في تنظيم دقيق صدحت الموسيقى ودخلت مجموعة من "كشافة الحرية" تحمل اكليلاً ضخماً من الغار قطره خمسة امتار كتبت عليه لافتة "15 الف شمعة لـ15 الف شهيد"، وضعت امام المذبح الى جانب اكليل أرسله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. ثم دخل حملة الاعلام وتبعهم حملة البخور معلنين بدء القداس الذي ترأسه النائب البطريركي العام المطران رولان ابو جودة يعاونه عدد من الكهنة تحت شمس حارقة. وبعد تلاوة الرسائل التي ألقاها العميد المتقاعد وهبة قاطيشا المسؤول عن منطقة عكار في "القوات" تلي الانجيل المقدس والقى المطران ابو جودة عظة، جاء فيها: "نلتقي للصلاة مستحضرين ارواح جميع الذين استشهدوا ليحيا لبنان، سائلين الله ان يسكنهم جنان رحمته، محاولين التعزي عن الحزن بالرجاء، وعن الخوف بالامانة التي تبقى للأبد، مجتهدين لنبقى ابناء النور، وظلال الموت تحوطنا، متشبثين بأرضنا المقدسة، والعواصف تضربها من كل اتجاه. ونلتقي لنرنّم للغائبين، الذين سلكوا طريق الوفاء لهذه الارض، فمنحوها حياتهم لتحيا، وحرسوا الأرز بتضحياتهم، واستقروا في أعالي الجبال ابطالاً تباركهم الشمس، وتحنو على لبنان، أرض التواصل بين الامم، وملتقى الثقافات (…).

وان من المفيد يا ابنائي الاحباء، فيما نحيي ذكرى شهداء القوات اللبنانية، بل شهداء المقاومة اللبنانية، ان ادعوكم الى التأمل في قول بولس الرسول: "فان كانت تعزية في المسيح او راحة بالمحبة، او شراكة في الروح او رأفة ورحمة، فأتموا فرحي بان تكونوا على رأي واحد، ومحبة واحدة، وعلى اتفاق الانفس واتحاد الافكار. ولا ينظرن احد الى ما هو لنفسه بل فلينظر كل واحد الى ما هو لغيره. افعلوا كل شيء، بغير تذمر ولا جدال لتكونوا ابناء الله، بين جيل معوج ملتو تضيئون كالنيران في العالم، متمسكين بكلمة الحياة". كما بات علينا جميعا، من جهة اخرى، ان نعرف ان اتحادنا في هذه البلاد، المسيحيين مع المسيحيين، والمسلمين مع المسلمين، والمسيحيين مع المسلمين، هو ما ينقذنا من ورطتنا وان خشبة الخلاص عندنا هي هذه الشرعية التي يجب ان ندعمها ونساندها، فعلا، لا قولا وحسب، لتبقى رمزنا وهادينا الى السيادة واعادة الامن والاستقرار والسلام الى بلادنا. فبوحدتنا نسلم، وبخلافنا نتحطم. فحرام عليكم، انتم رفاق الشهداء، الا تفيدوا مما تركه لكم شهداء القوات اللبنانية وشهداء المقاومة اللبنانية من ارث ثمين وقيم في الاستشهاد والبطولة. تذكروا دائما، ايها الاعزاء القادة الذين استشهدوا او الذين تحملوا اعباء السجون والغربة والاضطهاد، فهم يضيئون لكم الطريق الى الحياة الجديدة. عليكم ان تثمروا كل ذلك في سبيل الوطن والخير العام. والا ذهبت جهود من سبقكم سدى. وكما صدرتم بطاقة دعوتكم الى هذا القداس بعبارة" كنا اخوة في الشهادة فلنكن اخوة في الحياة"، كونوا اخوة بعضكم لبعض، واخوة للجميع. اليكم جميعا، قادة ورفاقا، رجالا ونساء، اوجه نداء، دعوة، صرخة، مناشدة… سموا ذلك ما شئتم! اني، من على مذبح شهيد الشهداء، ادعو الجميع الى مصالحة عامة، جامعة، شاملة، تبادرونها بملاقاة الآخرين: للمصالحة والمسامحة او طلب المسامحة: الكبير هو الذي يسامح، واكبر منه هو الذي يطلب المسامحة. البغض، الحقد، لا يسامح ولا يطلب المسامحة هي المحبة التي تسامح وتطلب المسامحة.

"المحبة لا تحنق ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق. وهي تعذر كل شيء (…) وتتحمل كل شيء". اخوتي، اخواتي، كل شيء قابل للسقوط، وحدها "المحبة لا تسقط أبداً". اخوتي، أخواتي: "العظيم حقاً من كانت محبته عظيمة "! كونوا عظماء بمحبتكم العظيمة".

جعجع: فخورون بشهدائنا

وألقى جعجع كلمته بعد القداس وسط هتافات "القواتيين" وتصفيقهم. واستهل بتوجيه "السلام على من يحب السلام وأيضاً على من لا يحب السلام"، ووجه تحية الى "رفيقي بيار اسحق شهيد الحرية والإلتزام، شهيد الكورة والشمال". وقال: "ليست الشهادة في ذاتها ما يوجع الشهيد أو أهله أو أقرباءه أو رفاقه أو مجتمعه، إنما الوجع في محاولات إنكارها وتشويهها والإزدراء بها، سعياً لضرب خصمٍ أو لربحٍ صغير. نحن فخورون بشهدائنا، ولن تنال منهم، سهام حاقدة جاحدة مضللة موتورة، تُطلق علينا غدراً وظلماً. إن كان للكذب والتحقير والتشنيع والإفتراء جولة، فسيكون للحق والحقيقة ألف جولة. يمكن للكذبة ان تقتل إنساناً، لكنها لن تتمكن من قتل الحقيقة، وحقيقتنا محفورة في أجسادنا وعلى أرض الواقع، من ذرى صنين، وهضاب زحلة سليم عاصي ونصري ماروني، وقلعة الصمود في عين الرمانة، وأشرفية البشير، إلى روابي بلا وقنات وأرز الرب، دماء تسقي هذه الارض ليبقى الإنسان ليبقى لبنان (…)".

وخاطب الشهداء واصفاً اياهم بانهم "شهداء كل اللبنانيين. لكن البعض يرفضكم، ولا يريد ذكراكم ولا سماع بطولاتكم ولا أنين أمهاتكم وآبائكم وأزواجكم وأولادكم ورفاقكم. ويتهمونكم بشتى التهم، يحولون بطولاتكم جرائم ويرمونكم في مقابرهم الجماعية الوهمية، يصورون رفاقكم، زوراً وتزويراً، يطلقون النار على مدنيين، يهزأون من أدائكم للواجب يوم عز الواجب (…). عندما غاب الجميع، اضطررتم الى الدفاع عن الوطن والى المحافظة على السيادة والحرية وضبط الامن وتأمين السلامة العامة وحتى ضبط تهريب البضائع والطحين والخبز الى سوريا وقبرص لمصلحة خزينة الدولة، فقلبوها ضدكم وعليكم وصوروكم مجرمين يسعون الى جريمة من هنا وسرقة ربطة خبز من هناك. لكن حبل الكذب قصير جداً، فحالما دقت ساعة السلام، كنا، نحن المجرمين الفاسقين المارقين قطاع الطرق اول من لبّى النداء.

إن القاصي والداني يعرفان الدور الذي اضطلعت به القوات اللبنانية في انهاء الحرب وولوج مرحلة السلام. لكننا هوجمنا ايضاً وايضا،ً إنما هذه المرة لدورنا في إنهاء الحرب. عجباً، ان قاومنا فنحن مجرمون وان سالمنا فنحن متواطئون. قضيتهم واحدة دائماً: محاولة القضاء على رمزية شهادتنا. قضيتنا واحدة دائماً أبداً أن نُصلب لتستحق قيامة لبنان. وجاءت مرحلة السلم، وبعكس ما كنا نتمناه، جوراً، ظلماً، حديداً، وناراً على الوطنيين جميعاً، ونحن من بينهم و"في النار يمتحن الذهب (…)".

اعتذار من اللبنانيين

اضاف: "بعد خروجنا من نار الجحيم الماضي، لم يبق للمغرضين، سوى العيش بين قبورهم الجماعية ونبشها، واستحضار الماضي بشكل مشوه، على طريقتهم، والقراءة في كتابهم الشيطاني، وتجميع مآسي، وبشاعة، وقذارة الحرب اللبنانية كلها، ومحاولة رميها علينا، نحن أبناء القضية، شهداء وأحياء. يتناسون من كان يتهددهم، ويتهدد بلادهم، وأرزاقهم، وأعناقهم، وحرياتهم، ومستقبلهم ومستقبل اولادهم، وينقضون على من استشهد في الدفاع عنهم، فعزّ الوفاء وضاعت القيم واستبيح التاريخ. طبعاً نحن لم نكن مهيئين للدفاع عن البلاد بأفضل ما يكون، لكننا قمنا بذلك بما تيسر، وأحياناً باللحم الحي. عندما سقطت الدولة، حاولنا إنقاذ ما يمكن انقاذه، بكل صدق وإلتزام واندفاع وحمية. وجل من لا يخطىء، خصوصاً عندما يقدم، في مثل تلك الظروف. فلقد اخطأنا في بعض الأوقات، كما قام افراد منا بمخالفات وارتكابات، لم نكن لنرتضيها، لو كان في إمكاننا تداركها. بعض هذه المخالفات والارتكابات كانت وللأسف الكبير شنيعة مؤذية. في هذه المناسبة الجليلة، وبقلب متواضع، صاف، وبكل صدق وشفافية، أمام الله والناس، أتقدم باسمي، وباسم أجيال المقاومين جميعاً، شهداء واحياء، باعتذار عميق، صادق وكامل، عن كل جرح، او أذية، او خسارة، او ضرر غير مبرر، تسببنا به، خلال أدائنا لواجباتنا الوطنية، طوال مرحلة الحرب الماضية. كما اطلب من الله عز وجل السماح، وممن أسأنا إليهم السماح، والتعالي، والمحبة.

وللمارقين، الطارئين، المتاجرين بآلامنا وآلام الناس واوجاعهم اقول: كفى متاجرة، واستغلالاً لدماء ودموع الناس، كفى تزويراً للتاريخ، اتقوا الله فهو وحده الحاكم الديان (…)".

"حول ماذا نتوحّد؟"

وعن المصالحة المسيحية قال: "أسمعكم في منازلكم، في مكاتبكم، في مصانعكم كما في مدارسكم وجامعاتكم وأدياركم، في الوطن الأم كما في المهجر، تطلبون من الله ليل نهار، أن يلهمنا كي نتفق، كي نتوحد. نحن جميعاً نتوق إلى الوحدة المسيحية، لأهميتها في حد ذاتها، ولأنها المقدمة الطبيعية لوحدة لبنان. ولكن قولوا لي بربكم حول ماذا نتوحد ؟

هل نتوحد، حول الإقرار، بمبدأ بقاء حزب الله مسلحاً، على حساب الدولة اللبنانية، الى حين تحرير كامل فلسطين، واسترجاع القدس، وحل مشكلة الشرق الاوسط برمتها؟ ام حول المطالبة بالتحقيق مع قيادة الجيش، لماذا أرسلت الطوافة العسكرية، التي استشهد فيها النقيب سامر حنا إلى سجد؟

أم نتوحد حول صوابية حرب تموز 2006 المدمرة، وحول مفهوم الحرب المفتوحة، وتكريس لبنان، جبهة يتيمة للصمود والتصدي، بينما أهل الصمود والتصدي يفاوضون إسرائيل؟ ام تريدوننا أن نتوحد، حول اعتماد سوريا كأم حنون جديدة لنا؟ ام نتوحد حول ضرورة تعديل الدستور، ليعاد انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب؟ ام حول الاعتصام في قلب الوسط التجاري، وقطع الطرق بالحجارة، والحديد، والنار، وسيلة للإصلاح والتغيير؟

إن نقطة ارتكاز اي وحدة مسيحية، هي الثوابت التاريخية للمسيحيين في لبنان، التي كانت دائماً، محرك الوجدان الجماعي المسيحي، كما كل التحالفات المسيحية العريضة، من "الحلف الثلاثي" إلى "الجبهة اللبنانية”. ومن يريد ان يعرف ما هي هذه الثوابت، فما عليه، إلا العودة الى بيانات "الحلف الثلاثي" و"الجبهة اللبنانية"، ومقررات سيدة البير ودير عوكر، وكل ما كان ينادي به الرئيس كميل شمعون، والشيخ بيار الجميل، والعميد ريمون اده، وشارل مالك، وادوار حنين، وجواد بولس وبشير الجميل. فأين هم مسيحيو 8 آذار من هذه الثوابت اليوم؟

نعم، ضروري أن نتوحد، بل لزام علينا أن نتوحد. فهل يوافق الآخرون، على أن نتوحد حول هذه الثوابت، فيناضلوا، ونناضل معاً من اجلها ومن اجل تركيزها وتثبيتها؟ أم أنهم استبدلوا نهائياً، شعار" وطني دائماً على حق" بشعار "سوريا وحزب الله دائماً على حق"؟

أيها السادة، للوصول الى الوحدة، يجب استبعاد عوامل الفرقة بيننا. وهل من عامل فرقة، أبشع من ذاك الذي ينبش قبوراً غير موجودة، وينكأ، وبشكل ملتوٍ، جراحاً ما زالت ملتهبة، ويعود الى الماضي الكريه، من اجل تشويه صورة الآخرين، وتحقيق مكاسب سياسية رخيصة.

هل من عامل فرقة أسوأ، من ذا الذي يقوم يومياً، بتأليب مجموعة على أخرى، ومنطقة على منطقة، وطائفة على طائفة. هل من عامل فرقة، أكبر من الذي يتناسى اعداء لبنان، لا بل يدافع عنهم بشكل مستميت؟ وفي المقابل، ينقض ليلاً نهاراً، على الشهداء الأبرار؟ (…) هل من عامل فرقة أقسى، من الذي انقض على بكركي وما زال، مع كل ما تمثله، وصَوّر سيدها، على انه موظف صغير عند سفارة اجنبية، او عند سياسي محلي؟ حتى العثمانيون على رغم جورهم لم يصلوا الى هذا الحد".

الانتخابات ومصير لبنان

وتوجه الى المسيحيين في موضوع الانتخابات بأن "مصير لبنان برمته ، كما مصير اولادكم واحفادكم، بين ايديكم اليوم، من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، فإما ان تقدموا، وتتخلوا عن الاعتبارات الصغيرة الضيقة، وتقترعوا على اسس تاريخية كبيرة اخلاقية وطنية شاملة، واما تتسببون من حيث لا تريدون، بمزيد من التفرقة المسيحية، ومزيد من تراجع لبنان، الذي تريدون. ان لبنان الذي تريدون، هو بالفعل في خطر، خطر الديماغوجية القاتلة، والشعبوية المدمرة، والطروحات السامة. لكن خلاصه في ايديكم. فلا تتأخروا، هكذا يتوحد المسيحيون ويخلص لبنان". وتوجه الى المسيحيين "الذين هم على عداء مُستحكم مع القوات اللبنانية، أو على عداء معي أنا شخصياً. أستحلفكم أن تتجردوا، وأن تنقوا القلب والعقل، فكروا بإيمانكم وبمصلحة لبنان، تجاوزوا الإعتبارات الضيقة، تجاوزوا التراكمات المتوارثة والأفكار المسبقة، تخطوا الماضي وحكّموا حقوق أطفالكم والأجيال الآتية. حددوا لبنانكم فتجدوا أنه تماماً لبناننا.هكذا يتوحد المسيحيون ويخلص لبنان (…).

"ثورة الارز لن تسقط"

اذا كان من ثورة أهلية وطنية، قامت في لبنان الحديث، فهي ثورة الأرز. واذا كان من مقاومة حقيقية، جامعة، شاملة، نابعة من صميم وروح التراث المسيحي واللبناني، فهي ثورة الأرز وحركة 14 آذار. وككل ثورة، تعبر عن ارادة شعبية وطنية صادقة، جوبهت ثورة الأرز، منذ اللحظة الاولى، بأعتى وسائل الضغط والارهاب، فسقط منا الشهداء الواحد تلو الآخر، ومورست علينا ضغوط، مستمرة، هائلة قاتلة، وصلت الى حد اجتياح بيروت، ومحاولة اجتياح الجبل. لكن الأرز لا يلوي، والتاريخ لا يسقط (…). لن نخافهم، بل سنستمر حتى تحقيق الحلم الى آخر مشهد منه. مشهد لبنان الكيان، بأرضه كاملة، بال 10452 كيلومترا مربعا حلم البشير، بحدوده مرسمة واضحة، بما فيها مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. وفي موضوع الاستراتيجية الدفاعية ومواجهة اسرائيل قال جعجع :"ان مواجهة اسرائيل، ليست شعاراً فارغاً، يطرح على طاولة المصالح السياسية اللبنانية الداخلية الضيقة، بل سعي شامل كامل دؤوب، يقوم على اتفاق الدول العربية كافة، خصوصاً الدول المجاورة لإسرائيل، على استراتيجية، واحدة، موحدة، مدروسة واقعية، تأخذ في الاعتبار كل العوامل المطلوبة، لتكون استراتيجية ناجحة (…). واحترام الآخر ورأيه، وباتفاق الجميع. هكذا تكون مواجهة اسرائيل، هكذا تنتصر القضية".

أما عن الاستراتيجية الدفاعية، الواجب اعتمادها في لبنان، فبذورها، وخطوطها العريضة، موجودة في اتفاق الدوحة، وفي البيان الوزاري الاخير (…)، وعلى رغم ذلك، لم يجد البعض حرجاً في القول: يجب ان نبقى مسلحين، على ما نحن عليه، لأن الدولة ليست قادرة بعد؟ ونقول لهذا البعض: طالما انتم باقون على ما انتم عليه، فلن تصبح الدولة يوماً قادرة. وكيف تصبح قادرة، وأنتم تصادرون قرارها، واستراتيجيتها، وسلطتها وهيبتها، وانتم تدوسون كل يوم على رجلها، وأحياناً على رأسها، وأنتم لا تعترفون بأكثرية مكوناتها؟

نحن اليوم أمام فرصة جديدة، مع رئيس جديد للبلاد، العماد ميشال سليمان، فلنترك جميعاً خططنا الفردية، ورؤساء وزعماء ما وراء الحدود، ولنتكوكب من حوله، لتقوم الدولة وتصبح فعلاً قادرة. ولن تصبح الدولة قادرة لوحدها من دوننا جميعاً واذا واصلنا اعتراض طريقها، وتعطيل سيرها".

وخلص الى توجيه تحية الى بكركي "وبطريركنا مار نصر الله بطرس صفير وكنيستنا، صخرة وجودنا، في لبنان والعالم والكون. انها أم مباركة، رافقتنا في المراحل والظروف والعهود كلها، على طريق جلجلتنا في هذا الشرق، وبذلت الغالي والرخيص، في سبيل بقائنا ونمونا وازدهارنا. وأن أنسى كيف أنسى، مؤسس قواتنا، وقائدها الأول، وشهيدها الاكبر بشير الجميل، الذي خط لنا الدرب ونحن بعده مستمرون.
شيخ بشير، شهداءنا الأبرار، كنتم، ما زلتم، وستبقون من عليائكم، حراس هذه الارض وهذا الشعب".

بيار عطاالله

المصدر:
النهار

خبر عاجل