ان مسألة الشيعة والدولة أو الدولة والشيعة ـ عامة ـ هي مسألة إشكالية، كما هي مسألة الإسلام والدولة والدين والدولة، أي دين، والدولة، أي دولة، قديمة أو حديثة، استبدادية أو ديموقراطية، دينية أو علمانية…الخ. وإشكاليتها لا تحتمل التبسيط والإطلاق والتعميم، مع أو ضد، وهي بالتالي مرشحة للاستمرار، جدلاً وحواراً، خلافاً وتوافقاً، رفضاً أو رضاً، كما هي مرشحة كل الإشكاليات الاصلية في السياسة والاجتماع والثقافة، التي تضارع في ديمومتها الأسئلة الفلسفية الأولى، والتي في ديمومتها تلك تستمر أوليات الفكر والحياة والإبداع والتطوّر في العمل. ما يعني ان إقفالها على أطروحات جاهزة ونهائية ومغلقة وحرفية، مدعاة للتيبس والعقم وانعدام الجدوى، ومقدمة لانكسارات وانهيارات تطال الأعماق في الفكر والسلوك والفن والعمران.
ان المستجد، في هذا المتحول الراهن، المفضي إلى متحولات لم يظهر من علاماتها سوى السالب حتى الآن، أما أطروحاتها الموجبة فما زالت احتمالات غامضة ـ المستجد هو اتجاه هذه الإشكالية إلى الرسو على نصاب منهجي أشد تركيباً، رغم كل مظاهر الوحدانية والأحادية في الرؤية التي تبزغ هنا وهناك وهنالك، حاملة على وجهها وفي أعماقها أسباب أزمتها وانسدادها. وسوف يكون ذلك النصاب المنهجي المركب ضرورياً لتعاد على أساسه قراءة الماضي دون ان تكون مظاهر هذا الوعي ومفرداته وصفة ملزمة، بل تكون مكوناته الموضوعية الداخلية مساحة مشتركة للحرية في تحصيله والتعبير عنه تعبيراً مفتوحاً باستمرار على التكامل والنقد، حتى النقض.
هذا الوعي للحاضر إذا ما تم تحصيله وتكوينه بعافية، يشكل شرطاً مؤاتياً لاستشراف المستقبل بكل احتمالاته، وفي الأساس منها الاحتمال بأن لا تفلح أي جماعة، مهما تكن تملك من ذاكرة ومكونات ذاتية، في قراءة شخصيتها وتاريخها وحاضرها وغدها على نص خطي واحد ونسق واحد، لان لمراحل التاريخ نهايات لا تقفل المرحلة على نفسها بالكامل، ولكنها لا تدعها مفتوحة على كل الاعتبارات.
وشيعياً على سبيل المثال، أصبح من المنطقي ان يتساءل الشيعي، إلى أي مدى تبقى الظروف والمعطيات التاريخية للعصر الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني والفاطمي والاستعماري حتى، صالحة وحدها لقراءة الحدث أو المسار أو المسيرة الشيعية؟ كيف يمكن لشيعي ان يقرأ عاشوراء مثلاً على فرضية يزيد بن معاوية والحكم الأموي فقط؟ والأسئلة الآن وفي الغد، في أوطان الشيعة والمشكلات والحلول، والعلاقات والتناقضات، والتحديات والخلافات، اصبحت عابرة للتاريخ الخاص، وتتجه إلى عمومية إسلامية أو عربية أو مشرقية أو عالمية، لا تلغي الخصوصيات ولكنها تفتحها على افق أهم منها وأبعد مدى.
ان ذلك يفضي إلى قراءة أخرى مدققة، للمباني الفقهية والعقيدية، باتجاه استيلاد أحكام فرعية مطابقة لأصولها، ولكن ملامحها وسماتها المستجدة أكثر أهلية لملاءمة المستجد في شؤون المعرفة والحياة والاجتماع والسياسة، خاصة وانه، في المجال الشيعي، بعيداً عن استحقاقات السلطة بمعناها المباشر، أخذ الفقه منحى من الجدل الذهني اقترب به من الإيديولوجيا. وهو بالأساس شرع وشريعة، بمعنى النهج، الذي ينأى بالأحكام عن أن تكون من السكون بحيث يضطر المضطر من أجل مطابقة الواقع إلى القطع معها، فيخسر التواصل ويعيش قلق الشرعية باستمرار. في حين ان هناك اتفاقاً على درجة من العمومية والمرونة في النص الإسلامي التأسيسي، المصدري، يتيح تطبيق مضمونه، منطوقاً أو مفهوماً أو تأويلاً، على حالات متعددة ومتغايرة من دون شعور بالتناقض أو الانقطاع أو حتى المخالفة.
ان هذه الحركة في المنهجيات العامة، وفي القراءة الفقهية والعقيدية هي مظنة توفير الوعي اللازم بالإطار والعموميات النظرية التي حكمت مسيرة التشيع داخل الدائرة الإسلامية (ثقافة وسياسة) منذ نشأته المرنة وحتى نزوعه إلى التبلور السياسي قديماً وحديثاً، على جدل لا بد ان يدور حول الصورة المتداولة، لإعادة تشكيل الصورة الفعلية بكل أبعادها وألوانها وظلالها، من دون ان تكون التلوينات المتعددة الموائمة للحظتها التاريخية، وحتى غير الموائمة، موضوع تنصل أو إدانة، إلا لدى الذين يتنصلون من مسؤوليتهم عن كل التاريخ، وينتقون وقائع وأحداثاً ومفاصل معينة للقراءة والاستعادة والتبني وبناء الحاضر على الماضي حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل ـ ذهنياً بالطبع وليس إلا…
ان الإشكالية المشار إليها أعلاه، هي إشكالية تاريخية، أي ان لها تاريخاً، أو تواريخ، وتجلياتها ليست واحدة. ومظاهرها وتعبيراتها كانت وما تزال تبدو متشابكة في آلياتها ومعطياتها ومساراتها وثمراتها ومثالاتها، مع أزمنتها وأهل هذه الأزمنة ومعارفها وثقافاتها ومؤشراتها وحساسياتها وأولوياتها ونظمها ومنظومات قيمها.
وهذا التنوع أو هذه المغايرة في المظهر والتعبير والتجلي لإشكالية الشيعة والدولة طول التاريخ واختلاف مراحله وحكامه وأنظمته وأحداثه لا يخرجها من سياقها العام ومن العموميات الإسلامية والشيعية التي تحكمها. بل يخفف من احتمالات تحويل خصوصياتها ومكوناتها الظرفية إلى ثوابت إيديولوجية، تحجب عندما تهيمن، وتقطع عن الآخر وتضع الذات خارج التاريخ، وتحيل إلى استحالات، وتغطي على الواقع والوقائع والدروس والعبر، وتدفع إلى الاطلاق في تفسير التاريخ ووعي الحاضر ورؤية المستقبل، حيث يتناوب الأسود والأبيض، يطردان الجدال والحوار والأسئلة، ولا يبقى مكان لاستثناء أو تلوين أو خصوصية مجتمعية أو جغرافية أو قومية أو ثقافية، لا في المكان ولا في الزمان ولا في الأوطان أو الجماعات.
إذن، في موقع المنهجية العلمية والواقعية والموضوعية والعقلانية والصدقية، يقع القول بأن هناك جماعة شيعية ممتدة في التاريخ ـ امامية اثني عشرية على وجه التحديد ـ لانها تتعدى بالتشيع من المناخ العام الذي يتسع لظواهر متعددة إلى حد التعارض، أصلاً وفصلاً، نشأة ومساراً وغاية. وهذه الجماعة متواصلة في مواطن الوجود الشيعي الذي كان وبقي، والذي ما زال، مرشحاً للرسوخ والفعالية، أو الانحسار والتراجع والانكفاء، في كل موطن على حدة، أو في كل المواطن، بحسب الأداء الشيعي وبحسب الآفاق التي تنفتح عليها الجماعات الأخرى من اعتراف بالآخر، وميل إلى التكامل معه، أو نبذ له واستبعاد.
ولعل ما ذكرناه يكون كافياً في تفسير توافق السلوك الشيعي في المواطن المتعددة والمراحل المختلفة، والثقافة الشيعية والعلائق والعوائد والتقاليد الشيعية، والاستجابات والردود في الظروف القاهرة وفي المتحولات، على عموميات ناظمة، ولكن لا يلغي الخصوصيات، خصوصيات كل جماعة على حدة. ما يعني ان هناك شيعية وطنية، لا تكفي التجزئة السياسية الطارئة في تفسير نشأتها، لانها سابقة عليها نشأة وتبلوراً. وربما تكون هذه التجزئة قد اسهمت في المزيد من وضوحها وتمايزها. وهذه الشيعية، ولانها وطنية تعريفاً ومظهراً، هي في نزوع دائم إلى التماثل أو الاقتراب من محيطها، مؤثرة متأثرة.
إذن هناك جماعة شيعية باكستانية، وبحرينية، وكويتية، وعُمانية، وإماراتية، وأفغانية، وهندية، ولبنانية، وعراقية، وباكستانية، وتايلاندية، وإيرانية الخ تسهم في بناء أوطانها وتوالي هذه الأوطان، على جدل دائم، كغيرها من الجماعات، وتشارك في الأحداث، سالبها وموجبها، من موقع الاندماج والتواصل الذي لا يلغي التمايز، ولكن لا يدفع به إلى الانفصال والانقطاع، بل يوظفه في حركة الوطن والمواطن كضرورة دينامية وحركية وإبداع ونمو ومعاصرة.
اني ادعي ان هذا الوعي، في غير مستوى، وعلى غير عمق، وغير درجة في الوضوح، كان وما يزال موجوداً لدى الشيعة في كل أماكن وجودهم وحضورهم، وهو إلى مزيد من الوضوح، على تعقيدات بعضها صعب ومؤلم.
ان ذلك الوعي، الشيعي، هو في لبنان الآن، على حال من الوضوح الظاهري والغموض الواقعي الذي يبعث على القلق.. القلق على الشيعة وغيرهم من الشيعة وغيرهم، ومن الشيعة خصوصاً، نظراً لما صاروا يتمتعون به من قوة ظاهرة تستدعي عقلاً يوازيها حجماً ليضبطها ويمنعها من الوقوع في إغراءات المصادرة والإلغاء في المجال الشيعي وفي المجال الوطني.
إذن، فإلى أي مدى موضوعي وعلمي وتاريخي وواقعي يجوز لنا ان نتمسك بالرفض تعريفاً اختزالياً، جامعاً مانعاً للجماعة الشيعية؟ ودائماً، وعلى وتيرة واحدة ونبرة واحدة؟ إلى أي مدى نؤرخ للشيعة في لبنان بالقطع مع الكيان؟ وهل كان الشيعة في وحدويتهم العربية أو الاسلامية إرادويين يتعرضون، أو يعرّضون أنفسهم، للانكسار الحتمي ليبقى التاريخ سائراً من دونهم، أم كانوا واقعيين، براغماتيين بالمعنى الايجابي، أي عمليين، غير مثاليين، بمعنى الانقطاع عن الواقع والتشبث بالمثال المحال؟
هل دخلوا في الكيان مقتنعين؟ وهل وجدوا داخل الكيان اللبناني ما رسخ قناعتهم به؟ هل تمت هذه القناعة على مر الأيام؟ وهل لبنانيتهم الآن هي تعبير عن الرضا بتحقيق المطلب، أم أنها تطور في لبنانية تاريخية، يزيدها الانصاف لمعاناً وتمظهراً، وأحياناً مبالغة، تضعهم على حد الخطر نتيجة الاغترار بالمكسب الذي ليس من الضروري ان يكون ثابتاً بشكل نهائي، بل من الضروري أن تكون اللبنانية، انتماء ووعياً ورضاً، ثابتة، بحيث تحفظ الوجود، وتشكل شرطاً ضرورياً لتحقيق العدل والانصاف والأرباح المشروعة المشاركة على قاعدة الاستقلال والسيادة.
دائماً يكون الوطن متاحاً، لأنه اختيار المواطن. والمواطن لا يشترط على الوطن، وليس الوطن عند المواطن شرطاً ولا مشروطاً. أما الدولة العادلة الجامعة فهي شرط للوطن لا عليه. وهي شرط للمواطن وعليه، وهي مشروع لا بد من العمل على اتاحته للجميع، ولا يتيحها للجميع الا الجميع، بالمشاركة والتكافؤ وشرط الحرية. إذن، ومع تباشير الدولة الجامعة التي صارت ضرورة وجود، ودائماً كانت ضرورة نهوض، ومع تباشير الوعي اللبناني العام، والوعي الشيعي الخاص، أصبح بإمكان الشيعة في لبنان ولزاماً عليهم أن يتنقلوا من عهد اثرة الآخر واستئثاره عليهم، وإساءة الاثرة، ومن عهد الجزع على ذلك، وإساءة الجزع، الى عهد الرضا والاستقرار والتوازن والاطمئنان والايثار اذا اقتضى الأمر. بذلك يعدلون ويلزمون شركاءهم بالعدل، ومن هذه الطمأنينة الى سلامة الخط والرؤية والرسو على حال وطني متسق، ينتقلون الى مشاركة اللبنانيين والعرب جميعاً قلقهم الحضاري المشروع، بعقلانية تفتح أمامهم الباب على احتمالات وضرورات وامكانات الممانعة، فتعديل المعادلة، في دورة حضارية قد يطول مداها و قد يقصر، بحسب ما يعدونه لغدهم من عدة وأسباب القوة العلمية والتنموية، وبحسب ما يؤول إليه الآخر المعتدي المتواطئ عليهم من تفجرات لم تعد نذرها خافية على أحد.
إذن، يتوحد الشيعة، ليتوحدوا على شرط الحرية للآخر الشيعي الذي يبقى متوحداً وإن لم يلتحق بالسائد القوي أو المستقوي. وليبقَ في وعيهم ان أي وحدة على أي مستوى لا تكون مسكونة بهاجس وحدة أوسع، تصبح انفصالاً وانفساخاً سرعان ما يؤول الى مزيد من التفكك والاحتراب على الاوهام، والسقوط.
وهم يقرأون آيات الوحدة في كتابهم على منظور إيماني انساني (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، ويقرأون اجماع المفسرين بأن الأمة الواحدة لا تحتمل أي نوع من الالغاء أو الاستحواذ. وان أفقها هو الانسان بصرف النظر عن الجنس واللون والدين والمذهب.