بين مصالحة ومصالحة
يدرك قادة الرابع عشر من آذار ان المصالحات التي يقومون بها مع "حزب ولاية الفقيه" تحتاج الى الكثير كي يقتنع بها جمهور ثورة الارز. ليس بسبب رفضه مبدأ المصالحة مع الفريق الآخر بل بسبب عدم وضوح الاسس التي تقوم عليها المصالحات من جهة، ومن جهة اخرى بسبب عمق الجرح الذي نشأ عن ثلاثة اعوام من الحملات سياسية وأمنية وميدانية انتهت بغزوات لمناطق آهلة بالسكان العُزّل الذين اختاروا النهج السلمي اللاعنفي طريقا لتثبيت الخيار الاستقلالي. وهنا لا بد لنا من التذكير ان العاصمة بيروت لا تزال محتلة مليشيوياً. فما الجديد الذي يفترض ان يُقنع شعب ثورة الارز والخيار الاستقلالي بالمصالحات التي اجراها بداية النائب وليد جنبلاط، وتبعها بالامس النائب سعد الحريري؟ وعليه من الضروري بمكان ان تقدم القيادة شرحاً حقيقياً لناسها حتى يتبّينوا حقيقة ما يجري.
بداية ثمة بون شاسع بين مصالحة ومصالحة. فالمصالحة في شكل عام تعني زوال اسباب الفرقة والصدام. فما الذي تغير في صراع الخيارات على الساحة اللبنانية؟ هذا من ناحية. اما من ناحية اخرى، فإن المصالحات التي جرت وتجري اليوم مرهونة في العمق بخطوات كبيرة يقدم عليها "حزب ولاية الفقيه" حتى يمكن القول ان لبنان صار على سكة المصالحة الحقيقية والتوافق. وهذا لم يحصل حتى اليوم. فقد تراجع التوتر على الارض ولكن من دون اي تبدل في المعطيات او الواقع الميداني. فالشعور بتهديد السلاح المليشيوي لا يزال قائما بفعل انتشاره غير المقبول في مناطق لبنانية عدة، من بيروت الى تخوم الجبل، فالبقاعين الاوسط والغربي، وصولا الى الشمال المحشو بالسلاح والمسلحين والمراكز الحزبية المدججة بالاسلحة، وهي واقعة وسط بيئات مناهضة لها.
وإذا كان اللبنانيون تواقين الى المصالحات، فإنهم تواقون الى مصالحات فعلية تقوم على مراجعة حقيقية يقوم بها الطرف الآخر الذي اجتاز خطوطا حساسة، وخطيرة، بتوجيه السلاح نحو صدور الناس في محاولة لقلب الحقائق السياسية على الارض. فالانتخابات النيابية السابقة عام 2005 لم تستطع قوى الغالبية ان تترجمها ترسيخا للخيار الاستقلالي بفعل لجوء الفريق الآخر الى السلاح لمنع الترجمة الديموقراطية الطبيعية لخيار الناخبين اللبنانيين. من هنا ضرورة ان تأتي المصالحات على مستويين: الاول حسم موضوع السلاح الميليشيوي الداخلي من الناحية العملية عبر نزع السلاح من ايدي كل التنظيمات المسلحة بلا استثناء، بما فيها "حزب ولاية الفقيه" الذي لا يمكنه ان يستمر الى ما لا نهاية في التحجج بـ "المقاومة" لتكديس السلاح بعيدا من خطوط التماس مع اسرائيل. فالموقف الشعبي لأبناء ثورة الارز مناهض تماما لبقاء السلاح، كل السلاح في الداخل أياً تكن الاعتبارات. وما من احد يصدق ان ذلك السلاح لن يستخدم مرة جديدة في اللعبة السياسية الداخلية. اما المستوى الثاني، فيقضي بالمسارعة الى وضع مسألة الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار والنقاش لإيجاد حل لما يعتبره ملايين اللبنانيين في الداخل والخارج سلاحا يعمل بأجندة خارجية، وهو مرشح في كل آن وأوان لتوريط لبنان في حروب لا يريدها اللبنانيون، على النحو الذي حصل في تموز 2006، او بالتحول نحو الداخل عند كل خلاف سياسي.
ان المصالحة لا تعني زوال الخلافات العميقة حول السياسة والخيارات والنظام، واستطراداً حول طبيعة المجتمع اللبناني. فالبون شاسع. ولكن اذا كانت المصالحة تعني العودة الى النمط السلمي لادارة الخلافات، واحترام الخيارات الديموقراطية للبنانيين بغياب الترهيب القائم، فهي حتما مباركة.
ان الشكوك الكبيرة التي تبديها قواعد ثورة الارز حيال المصالحات تحتاج الى افعال، والى تغيير كبير في ذهنية "حزب ولاية الفقيه" التي قامت حتى الآن على منطق الهيمنة والتوسع وتهديد اسس المجتمع اللبناني. كما تحتاج الى ان يخرج قادة 14 آذار على الناس ليشرحوا لهم على ماذا قامت المصالحات.
وفي الخلاصة نردد مع القول الكريم: "لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم".