معركة حلب لا هي أوسترليتز (1805) ولا واترلو (1815) كي يرتجى منها حسم الصراع بالضربة القاضية لمصلحة أحد "الجيشين"، ولا هي ستالينغراد (1943) أو بيروت (1982) كي يكون معيارها هو الصمود لأطول فترة ممكنة حتى ولو دمّرت كلّ المدينة، في الحالة الأولى، أو دون الإستعداد لتحمّل وزر دمار كل المدينة، في الحالة الثانية. معركة حلب تنتمي بهذا المعنى إلى نوع آخر من المعارك.
هي تنتمي من ناحية إلى السجل البعثيّ الأسديّ الدمويّ الحافل بعملية تدمير المدن على من فيها، دكاً لها بالمدفعية وراجمات الصواريخ والدبابات، وإذا ما استدعى الأمر بالطيران الحربيّ. وحلب الآن أكبر مدينة يطرق بابها هذا السجل الأسود، وإذا كانت لحياة البشر الأولوية طبعاً، فإنّ لـ"حياة الحجر" في مدينة تختزن تاريخاً حضارياًَ حافلاً مثل حلب أهميّة قصوى أيضاً.
وهي تنتمي من ناحية أخرى إلى سجّل الثورة السوريّة الذي لم يكن معقولاً أبداً أن تبقى ثورة سلمية فحسب، حيال نظام شرس يراهن على استجماع عناصر "شعبيته" كنظام من خلال ممارسته أقصى حالات الإجرام الدمويّ، هذا مع شرعية طرح الإشكال النظريّ دائماً حول طبيعة الإستراتيجيا الكفاحية لمقاتلي الثورة السورية، أي السؤال التقليديّ الذي يحضر عند كل سياق مشابه من الثورات المتطورة إلى حروب أهلية، بين من يرى لزوم اعطاء الأولوية لسيطرة الثوار على المناطق الريفية وشبه الريفية وعلى ضواحي المدن الكبرى وقطع أوصال وخطوط امدادات القوّات المعادية، مع التوغّل بين الفينة والفينة في عمق المدن الكبرى دون المكوث المطوّل فيها، بل السعي الى ترك استقلالية ما لحراك الطبقات الوسطية المدينية سواء المؤيد مباشرة للثورة، أو الضاغط على النظام نفسه بحجّة "تموينية"، وبين من يرى بخلاف ذلك، وجوب اعطاء الأولوية لمشاهد سيطرة الثوار على أحياء أساسية في المدن الكبرى وبلورة حالات "ستالينغرادية" متنقلة من مدينة إلى أخرى، على سبيل الإرهاق المتتابع لقوّات العدوّ. طبعاً، هذا النقاش تبقى له راهنيته النظريّة في كل وقت، وإن كانت تتجاوزه حالياً الأحداث على الصعيد العمليّ: القتال في حلب.
ما بين سجلّ النظام البعثيّ الحافل بتدمير المدن، وسجلّ الثورة السوريّة الذي يتوق الى تحرير المدن، تنبري معركة حلب لتشكّل نقطة تحوّل أساسية في المسار الكفاحيّ التحرّري للشعب السوريّ. ليس بمعنى أنّها معركة يمكن أن يتحدّد في لحظة حاسمة وواضحة منها انتصار استراتيجي فاصل لفريق على آخر، بل لأنّها تطرح تحدياً أساسياً على قوّات النظام: فهذه ستواجه مشكلة حقيقية إذا تبيّن أن مدفعية الدبابات وراجمات الصواريخ وسلاح المشاة لا تكفي لاستعادة المناطق التي بيد الثوار في المدينة، وبالتالي لا بدّ من تدخّل الطيران الحربيّ، ليس بشكل محدود، وإنّما بشكل منهجيّ ومتواصل. إذا اضطرّت قوّات النظام الفئويّ الى هذا في الأيّام أو الأسابيع المقبلة فهذا سيعني فعلاً أنّ بشّار الأسد دخل في ما يمكن تسميته لحظة تهديد "الأمن والسلامة العالميين"، وحتى لو أنّ الموقف الروسيّ سوف يتمادى كلامياً في الهروب إلى الأمام، فإن "اضطرار" النظام البعثيّ للجوء الى الطيران الحربيّ لاستعادة حلب، أي تدميرها على من فيها، سوف تشلّ وبشكل نهائيّ أي تأثير للموقف الروسيّ على مجريات الوضع في سوريا، وسوف تجبر الغرب، بشكل أو بآخر، على التدخّل لتدمير الطيران الحربيّ للنظام البعثيّ، ولن يكون أمام سيرغي لافروف حينها إلا الذبحة القلبية من فرط الصراخ، لأنّ استخدام الطيران الحربيّ السوفياتيّ الصنع في تدمير مدينة مثل حلب، وبعد انتهاء الحرب الباردة، يمثّل مشاغبة حقيقية، لا يمكن للغرب التسامح معها، فضلاً عن أنّها في الظرف الحاليّ، لن تكون نافعة عملياً لإنعاش النظام الدمويّ.
هذا هو أساس التحدّي في المعركة الحلبية: فإذا عجز سلاح البرّ البعثيّ في اقتحام المدينة، فسيضطر الى استخدام المقاتلات الجوية السوفياتية الصنع، وليس فقط المروحيّات، وعندها لكل حادث حديث بكل ما للعبارة من معنى، والاحتمالات شتّى. أمّا إذا وجد النظام نفسه عاجزاً عن اقتحام المدينة بسلاح البرّ، ولم يجازف بالاستخدام المنهجيّ لسلاح الجوّ، فانّه سيتفكّك بشكل متسارع. حلب بهذا المعنى يمكن أن تكون مصيدة حقيقية للنظام، ليس فقط بالمعنى الرائج لعبارة تحويلها إلى "مقبرة من نار للغزاة"، بل بمعنى محدّد تماماً: جرّ النظام إلى استخدام مقاتلاته الجويّة، جرّه إلى تجاوز خطّ أحمر دوليّ. وهنا لا بدّ من الاستطراد بأنّ السبب الأساسيّ لتسهيل عملية التدخّل الأطلسيّ المساند للثورة الليبية لم يكن عدد من قتلهم معمّر القذافي في صفوف الشعب والثوّار، بل لجوؤه الفوريّ إلى استخدام المقاتلات الجوية السوفياتية الصنع. هذا الأمر هو تخطّ حقيقيّ للحسم المحقّق في الحرب الباردة لمصلحة حلف شمال الاطلسيّ، وبما اقتضى فرط حلف وارسو، وحلّ الإتحاد السوفياتيّ.
كان الموقف الروسيّ في الأشهر الماضية واضحاً على الصعيد الميدانيّ: الإستعداد لتغطية أقصى استخدام من جانب النظام السوريّ لسلاح البرّ في مواجهة الثوّار، وعدم القدرة من الأساس على تغطية أي استخدام من جانب هذا النظام لسلاح الجوّ، بالمعنى المنهجيّ، أي المقاتلات الجويّة. هذه المرحلة "اللافروفية" من السياسة الروسيّة توشك على الانتهاء الآن، سواء إذا لم يتمكّن النظام السوريّ من استعادة حلب بسلاح البرّ وحده، أو إذا لجأ إلى استخدام الطائرات السوفياتية الصنع بشكل منهجيّ لدكّ المدينة. إذا ما ارتكب بشّار الأسد مثل هذه المغامرة، فعندها لن يكون الغرب الأطلسيّ محتاراً كيف يتدخّل، ومتى، وبأي غطاء. سيكون عليه تدمير سلاح الجوّ البعثيّ في الحال.