جنرال الماضي…
قصة الجنرال مع العودة والإستعادة والإعادة قصة…
فهو رجل على علاقة وثيقة مع الماضي، لدرجة أنه يعيش فيه…
وهذا ليس عيب بالمطلق… ولكن المشكلة أن الجنرال يسعى جاهداً بكل تصرفاته ومواقفه وممارساته لإعادة الجميع الى الماضي…
والأعتى أن ماضي الجنرال ليس الماضي الحقيقي بل ماض توقف عند لحظة في التاريخ، عند مجد عابر غابر، وامتزج بحلم وبآمال لم تتحقق وبخيال خيالي…
ظريفة ذاكرة الجنرال وعلاقته مع الماضي…
فهو يذكر أنه أصبح قائد جيش… ولا يذكر من طالب بإقالة القائد السابق وبتعيينه هو تحديداً.
فهو يذكر أنه أصبح رئيس حكومة إنتقالية… ولا يذكر لا بل يعادي من عيّنه.
فهو يذكر أنه قاد حرب تحرير… ولا يذكر أن حربه خنقت المسيحيين ومنطقتهم وانه لولا مساندة القوات اللبنانية لسقطت المنطقة عسكرياً.
فهو يذكر أن القوات اللبنانية ميليشيا… ولا يذكر أن حزب الله ميليشيا.
فهو يذكر لأنه نفي وعاش في قصر 15 عاماً… ولا يذكر أن غيره سجن وعاش في السجن الإنفرادي في الطبقة الثالثة تحت الارض أكثر من 11 عاماً.
فهو يذكر الأموال التي أُهدرت … ولا يذكر الأموال التي أودعت بإسم زوجته الشخصي ونقلت معه الى باريس.
الأمثلة كثيرة والوقت ثمين والناس تعرف… فلا حاجة للمزيد من الأمثلة.
أما الغاية من هذا المقال فهي سياسية الجنرال الحالية والآتي ما هو إلا استمرار للماضي:
ما أن استلم الحكم عام 1988 بدأت رحلة العودة. أعاد الجنرال اللبنانيين والمسيحيين عشرات السنين الى الوراء من خلال سياسياته وأحلامه السلطوية:
أستعاد الجنرال قصر الرئاسة لأنه يعتبره حقه… فكانت النتيجة دخول السوريين إليه على وقع الطائرات والدبابات وممارسة سورية قاتلة غيبت الرئاسة طيلة 15 عاماً
إستعاد الجنرال المنطقة الشرقية من القوات اللبنانية لأنه يعتبرها مملكته… فكانت النتيجة آلاف القتلى بسلاح الإخوة والدمار الكامل لمقدرات المنطقة.
إستعاد الجنرال الشارع… فكانت النتيجة آلاف الشباب في المعتقلات بينما هو يتنعم بقصره الباريسي.
بعد العودة الحميدة إستمر الجنرال بالإستعادة:
أستعاد الجنرال ثورة الأرز… فكانت النتيجة أنه قسم ظهرها وأدخل حصان طروادة وعدنا نقطة الصفر.
إستعاد الجنرال شعب لبنان العظيم… فكانت النتيجة أن أهداه درعاً لحروب الغير.
إستعاد الجنرال المسيحيين في الإنتخابات… فكانت النتيجة أنه أخرجهم من مسارهم وتاريخهم وحتى مستقبلهم.
إستعاد الجنرال المتن… فكانت النتيجة عودة رموز الوصاية تسرح وتمرح، وأكبر حصة من الإختراقات الأمنية والتفجيرات والإغتيالات، ومنع أب شهيد أن يملأ فراغ خلفه اغتيال نجله.
إستعاد الجنرال كسروان… فكانت النتيجة إنتشار عسكري "حزب إلهي" على تلال صنين وعيون السيمان التي قاومت الجحافل على مر السنين وبقيت صامدة.
إستعاد الجنرال جبيل… فكانت النتيجة تحول المنطقة الى نقطة عمليات استراتيجية وممرات عسكرية ومراكز تدريب تقطع المناطق المسيحية نصفين، بالإضافة الى إحتلال الأراضي ووضع اليد على الكنائس وتحوليها ومساجد أو أسوأ.
إستعاد الجنرال زحلة… فكانت النتيجة التنكر لتاريخ المدينة وقتل أبنائها وقياداتها الحزبية وهو ما لم تقدر عليه القيادة السورية في عزها.
والحمد لله أنه لم يستعد أكثر من هذه المناطق.
بعد ذلك:
أراد الجنرال أن يستعيد الوحدة الوطنية عبر ورقة التفاهم… فكانت النتيجة تغطية مسيحية لحرب تموز ونتائجها التي إعادت لبنان 20 عاماً الى الخلف.
أراد الجنرال أن يستعيد الشراكة في القرار السياسي… فكانت النتيجة احتلال بيروت وتدمير إقتصادها وتهجير ما بقي من الشباب الى الخارج…
أراد الجنرال أن يستعيد الدور المسيحي… فكانت النتيجة تهميش وتدهور وثم خلو المركز المسيحي الأول وهو رئاسة الجمهورية مدة ستة أشهر…
أراد الجنرال أن يستعيد الهيبة المسيحية… فكانت النتيجة تعرض البطريركية للإهانة والتنكر لدورها التاريخي…
أراد الجنرال أن يستعيد الوحدة المسيحية… فكانت النتيجة فتح ملفات الماضي، ونكئ جراح ونبش مقابر جماعية…
أراد الجنرال أن يستعيد حق المسيحيين الإنتخابي… فكانت النتيجة قانون معتَق عمره أكثر من 40 عاماً يبقي أكثر من 30% من النواب المسيحيين تحت رحمة الغير، وإعاقة لإصالحات قليلة لا تلبي الطموحات وتكاد لا تمر…
وأخيراً وليس آخراً:
أراد الجنرال أن يستعيد جزين… فكانت النتيجة كارثة مزدوجة سلمت جزين وكل من يريد أن يزورها الى "إنضباط" حزب الله، ومناطق محرَمة لا على أبنائها فقط بل على الجيش اللبناني، عبر قتل الضابط المتميز إبن البترون سامر حنا.
أراد الجنرال أن يستعيد جزين… فخسرت جزين وخسرت البترون وخسر الجيش وخسر المسيحييون.
هكذا هو الجنرال يقتل كل ما يحاول أن يستعيده، ويخسر المسيحييون كلما حاول أن يستعيد شيء…
بقي "عون راجع" الى أن رجع فعلياً… ومنذ ذلك اليوم العظيم ما برح يرجع ويسترجع ويعيدنا معه الى الوراء…
حبذا لو… يستعيد الجنرال رشده ولكن الأمل معدوم في ذلك…
حبذا لو… يتوقف الجنرال عن العودة، والإستعادة، والإعادة…
لأن في كل إعاداته… (لا إفادة بل) خسارة.