كتبت مي أبي عقل في "النهار":
لم يكد "حزب الله" يتمكن من حل القضايا الخلافية بسحر ساحر، وانقاذ الحكومة من مستنقع خلافات الاكثرية في ما بينها، حتى شنت المعارضة هجوما جديدا عليها في قضية ترحيل مواطنين سوريين، بعدما خفتت وتيرة هجوم نواب منها على الجيش وقيادته في السابق. وبرز في المقابل تأكيد من الحزب على ضرورة مناقشة استراتيجية تحرير الى جانب استراتيجية دفاع، الامر الذي اعتبرته قوى "14 آذار" شرطا جديدا ينسف طاولة الحوار، بعد ما نالت مطلبها في الحصول على "الداتا" كاملة.
لكن واقع الامور يشير الى محاولة كل فريق تقطيع الوقت في انتظار جلاء الوضع السوري نهائيا، والرهان على امكان صمود النظام او سقوطه. كيف تستعد قوى "14 آذار" للمواجهة المتعددة؟ سؤال بعناوين عدة يجيب عنه الامين العام لهذه القوى الدكتور فارس سعيد.
طالبتم بـ"الداتا" وحصلتم عليها. ماذا بعد؟
– طالبنا بنقطتين: الاولى حماية لبنان والمواطنين والشخصيات السياسية اللبنانية والـ14 آذارية. ونقدر لرئيس الجمهورية انه كان وراء الحصول على الـ"داتا" من الدولة لتسليمها الى أجهزة الدولة، في حين كانت اجهزة من خارج الدولة حاصلة عليها قبلها.
الثانية: تحديد المرجعيات لهذا الحوار، اي الدستوراللبناني واتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية، وطرح بند السلاح على طاولة الحوار من خلال هذا التحديد.
هذا الموضوع نسفه "حزب الله". وفي آخر اطلالة للسيد حسن نصرالله، انتقل الكلام على الاستراتيجية الدفاعية الى استراتيجية التحرير، ونسف القرار 1701 والنظام اللبناني عندما حمله عجزه عن الدفاع عن لبنان حين قال إن هذا النظام بتكوينه الحالي غير قادر على الدفاع عن لبنان. وما لم يقله هو انكم اذا اردتم الدفاع عن لبنان، فعليكم تغيير او تعديل هذا النظام على قاعدة المؤتمر التأسيسي الذي تكلم عليه منذ شهرين. وبالتالي المشكلة اكبر من "داتا" ومن استجابة فخامة الرئيس ومن طاولة حوار. المشكلة ان هناك فريقا في لبنان لا يؤمن بالدستور اللبناني، ولا باتفاق الطائف، ولا يسلم بقرارات الشرعية الدولية، وهو يبني دولته بالتوازي مع الجمهورية اللبنانية، ويدخل في منافسة معها ويتحكم في مفاصلها.
هل تعتبرون الكلام على استراتيجية التحرير شرطا جديدا وبالتالي ستضعون شروطا جديدة انتم ايضا؟
– لدينا شرط واحد منذ العام 2005 لم نغيره وهو عودة جميع اللبنانيين الى الدولة اللبنانية بشروط الدولة اللبنانية، وليس بشروط "14 آذار". وشروط الدولة ارتكزت على الدستور والطائف وقرارات الشرعية الدولية. من اخطر الكلام الذي قاله نصرالله هو ربط موضوع الدفاع عن لبنان بالنظام، اعلن فشل هذا النظام في الدفاع عن لبنان، وأوحى أنه اذا أردتم ان تدافعوا عن لبنان فعليكم تغيير هذا النظام. بالتالي يتوجب وفقا لوجهة نظره ان يطرح موضوع السلاح وارتباطه بالنظام اللبناني بعد سقوط النظام السوري. بينما نحن قوى "14 آذار" نعتبر ان مشكلة النظام حلّت باتفاق الطائف، وليس علينا اعادة النظر في النظام من اجل الدفاع عن لبنان، ومعايير قواعد الاشتباك مع اسرائيل تحددت بالقرار1701 ويجب عدم الانقلاب عليها.
قال نصرالله أيضاً: "من لم يستطع ان يحل قضية المياومين كيف سيدافع عن لبنان؟" وهو بسحر ساحر حلّ قصص الأسير والمياومين في يوم واحد، لأنه يحاول المحافظة على هذه الحكومة التي تؤمن له الحد الادنى من الغطاء الشرعي بعدما سقط حليفه في الشام، وهدد بادراج اسمه في لائحة الارهاب في اوروبا لان اسمه ارتبط بحادثة بلغاريا ضد السياح الاسرائيليين.
هل هذا يعني انكم لن تعودوا الى طاولة الحوار، خصوصا ان رئيس الجمهورية سيطرح رؤيته للاستراتيجية الدفاعية؟
– اؤكد احترامنا وتقديرنا لفخامة الرئيس وجهوده، لكن الطابة ليست في ملعب "14 آذار" بل في ملعبه. هو يقوم بمساع من اجل جمع اللبنانيين، ويأتي فريق وينسفها، ويصنف اللبنانيين ويفرزهم بين خونة وعملاء ووطنيين واشراف، ثم يطرح السؤال لماذا لا تشارك "14 آذار" في الحوار؟ اذا أصر الرئيس، وأراد فعلا ان يجمع اللبنانيين حول طاولة الحوار، فعليه ان يقوم بالمساعي اللازمة من اجل ضبط هذه الخطابات وتحديد مرجعية الحوار، وهذه لا يمكن ان تكون، كما يسوق لها فخامة الرئيس، "اعلان بعبدا" على اهميته، بل هي الدستور اللبناني واتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية.
لكن العديد من مكونات "14 آذار" شاركت ووافقت على اعلان بعبدا!
– هذا من باب السياسة، وبعضها يسوق له. اعتقد ان استبدال وتسويق اي مرجعية دستورية وسياسية باعلان جديد يفسدان عملية الشراكة في لبنان ويفتحان الباب امام التكهنات. علينا ان نعود الى الثوابت والنصوص المؤسسة لتنظيم العلاقات اللبنانية- اللبنانية. على رئيس الجمهورية ان يعطي الضمانة والتأكيد ان هذا الاتفاق يجب ان يكون مرجعية الحوار.
هو يؤكد على هذا الامر في كل خطاباته.
– في اول آب 2010 تكلم على ضرورة التعديل من اجل اعطاء صلاحيات. البطريرك الماروني تكلم على عقد اجتماعي جديد، بعض الاصوات المسيحية يقول بالفيديرالية، البعض يقول إن صيغة البلد لا يمكن ان تركب، السيد حسن نصرالله يتكلم على مؤتمر تأسيسي. نحن في حاجة اليوم، من اجل ضبط هذه الهواجس، الى ان نؤكد على مرجعية اتفاق الطائف، والمسؤول عن هذا التأكيد واعطاء الضمانات هو فخامة الرئيس.
الحكومة والاجهزة الامنية
هل المطلوب رأس حكومة الميقاتي أياً يكن الامر؟
– اذا قلنا "رأس حكومة الميقاتي" فيكون "الضرب اغلى من الطريدة". ليست الطريدة حكومة ميقاتي بل خلاص لبنان وحمايته. هذه الحكومة تهدد السلم الاهلي في لبنان لأنها عاجزة، ولأنها حكومات في حكومة واحدة، ولأنها غير قادرة على التكيف، بين الضغط الدولي من جهة والضغطين الايراني من خلال "حزب الله" والسوري من خلال بقاء النظام في سوريا من جهة، على ادارة شؤون البلاد. واكبر مثال ما حصل في قضية الامن العام الذي يقول انه يطبق القانون وارسل المواطنين السوريين الى بلادهم وان رئيس الحكومة على علم بارسالهم، في حين يغسل الرئيس ميقاتي يديه ويقول انه ليس على علم بالأمر. هذا التجاذب الداخلي في ادارة شؤون الناس، يفسح في المجال للقول ان هذه الحكومة عاجزة وتعرض لبنان فعلا لمؤامرات شتى.
سبق ان حملت المعارضة على الجيش واليوم على الامن العام. هل المطلوب ضرب الاجهزة الامنية في لبنان؟
– ليس المطلوب ضرب المؤسسات من جيش وأمن عام ومخابرات او غيرها، بل رفع يد بعض الفئات الاطراف السياسية عن المؤسسات الامنية، وأن تعتمد هذه الاجهزة سياسة الحياد الايجابي تجاه جميع المواطنين، ولا تخضع لقدرة السلاح او الرغبات التي يمكن ان تملى عليها. ليست المرة الاولى يحاول فيها طرف مسلح من خارج الشرعية اللبنانية ان يضع يده على جزء من القرار في داخل هذه الاجهزة.
كل طرف في "14 آذار" يطرح رؤيته الى قانون الانتخابات. هل سنرى طرحا موحدا وماذا سيكون؟
– العمل جار داخل "14 آذار" لتوحيد الرؤية الى قانون انتخاب واحد، ووصلنا الى شبه اتفاق في هذا الموضوع، وتبقى اللمسات الاخيرة. لكن مقاربة موضوع الانتخابات اليوم تجري وفقا لمعايير قديمة، اي ندخل انتخابات الـ2013 اليوم معتبرين ان نتائج انتخابات الـ 2009 او الفرز السياسي في لبنان بين 14 و 8 آذار هي التي تحدد نتائج الـ 2013. الواقع ان هناك معايير خارجة عن اطار قانون الانتخابات والحياة السياسية الداخلية، ستكون موجودة وحاضرة في انتخابات 2013. اذا جرت الانتخابات في ظل بقاء النظام السوري ستذهب النتائج في اتجاه أياً يكن القانون، واذا جرت بدون النظام السوري فستكون النتائج في اتجاه آخر.
الى ماذا توصلتم في هذا القانون؟
– دوائر مصغرة على قاعدة الاكثرية، باتفاق اسلامي- مسيحي داخل "14 آذار".
اذا اقر مجلس الوزراء قانون النسبية فهل سترفضونه؟
– سنحاربه داخل مجلس النواب.
ما بعد السقوط
يبدو ان مراهناتكم وحركتكم مرهونة بسقوط النظام السوري. ماذا لو طال الامر؟ وماذا لو لم يسقط؟
– استقالة كوفي انان من مهمته، وعدم امكان انتاج قرار في مجلس الامن بسبب الفيتو الروسي- الصيني يؤكدان ان احتمال الحل الديبلوماسي او السياسي في سوريا اصبح مقفلا. ستذهب سوريا الى المزيد من العنف حتى الاسقاط الحتمي والمشهدي لبشار الاسد في دمشق. نحن ننظر الى هذه الثورة بعين الامل لاننا نعتبر ان القيم التي يقاتل الشعب السوري ويحارب من اجلها، سبق ان حاربنا من اجلها في لبنان منذ عقود. ننظر ايضا بقلق الى ما يمكن ان يجري من ردود فعل لهذا الانهيار الحتمي على الداخل اللبناني. واعتقد اننا سنذهب الى مرحلة اعادة خلط الاوراق السياسية في لبنان. بمعنى اذا استقبلت الطوائف سقوط النظام السوري من مربعاتها الطائفية، فسيدخل لبنان أزمة طائفية جديدة. علينا ان نستقبل تداعيات سقوط النظام من منظار وطني جامع، وليس طائفيا، والا فسنشهد نشوة سنية، ونقزة مسيحية، واحباطاً شيعياً.
كيف تتهيأون لهذه المرحلة؟
– يحضر فريق قوى "14 آذار" مشروعا انقاذيا للبنان يقوم على قاعدة المرجعيات الدستورية التي سبق ان تحدثت عنها، وان نعتبر ان سقوط هذا النظام ليس انتصارا لفريق وهزيمة لفريق آخر، وان الطوائف في لبنان يجب ان تخرج من الاحتجاز الذي تفرضه عليها بعض القوى السياسية. عندما تربح هذه القوى، مسلحة كانت او سياسية، تربح وحدها، وعندما تخسر نخسر معها ونخضع، شاركنا بحروبها ام لم نشارك، لمحاكمة سياسية غير عادلة. اليوم أخشى ان تخضع الطائفة الشيعية لمحاكمة، بالقول ان كل الشيعة نبويون، وتعاملوا مع ايران، وغلبوا ولاءهم لولاية الفقيه على حساب لبنان. هذه المحاكمات الجماعية ستدخل لبنان تجاذبات داخلية وطائفية نحن في غنى عنها. ومن مسؤولية قوى "14 آذار" ان تتقدم الى الجميع، وخاصة الطائفة الشيعية – لا اتكلم على "حزب الله" الذي يجب ان يسلم سلاحه ونقطة على السطر- كي تخضع الطائفة لمحاكمة سياسية لأن رهان الحزب الذي احتجز قرارها فشل مع سقوط النظام السوري.
لكن هذا الحزب يمثل الاكثرية في الطائفة الشيعية شئنا ام ابينا. كيف ستتعاملون معه بعيدا عن الطوباوية التي تتكلم بها؟
– لا اتكلم بطوباوية، بل على شبكة مصالح. الطائفة الشيعية والمواطنون الشيعة مثلهم مثل الطوائف الاخرى الذين مروا بتجارب كهذه، هم ايضاً يريدون ان يعيشوا بسلام، وان يبنوا شبكة مصالح مع دولة او قانون، وليس مع حزب اذا انتصر انتصر وحده، واذا خسر فيخسر معه الطائفة. كل ذكاء قوى "14 آذار" يجب ان يرتكز على هذه النقطة بالتحديد مع سقوط النظام السوري.