#adsense

عودة الروح للعمل الحكومي لا تكفي…!

حجم الخط

عودة الروح إلى العمل الحكومي، وفكفكة سلسلة الأزمات المطلبية والنقابية والأمنية التي كانت تحاصر الحكومة، يطرح قدرة الدولة للتغلب على الصعاب متى توفرت مناخات الحد الأدنى من التفاهم والتعاون بين الفريق الواحد، ويؤكد في الوقت نفسه مدى حاجة البلد إلى الأجواء الوفاقية لمعالجة المشاكل والأزمات، وبقاء الوضع الداخلي متماسكاً في زمن الزلازل العربية.

من حق اللبناني أن يسأل قادة الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في الحكومة الميقاتية: ماذا كان يمنع أن تتم مثل هذه التفاهمات، وما اكتنفها، ربما، من صفقات قبل أن تستفحل قضية المياومين، وقبل تعقيد أزمة المعلمين، وحتى قبل محاولات تمدّد اعتصام الشيخ أحمد الأسير؟.

لماذا تأخرت «كبسة الزر» السحرية، حتى بلغ السيل الزبى في تعميم عتمة الكهرباء، عن سابق تُصوّر وتصميم، وحتى تعطلت عمليات تصحيح الامتحانات التي ينتظر نتائجها الآلاف من شباب الغد المتوثبين للالتحاق بجامعاتهم في الداخل وفي الخارج، وحتى كاد اعتصام الشيخ ألأسير أن يتسبب بفتنة بين أبناء صيدا أنفسهم، بعدما تحوّلت التجاذبات إلى اشتباكات في أكثر من مناسبة؟!.

أما وأن «كلمة السر» قد نجحت في قلب صفحة الأزمات دفعة واحدة، بقدرة سحر لا نعرف مدى استمرار مفعوله في الأسابيع القليلة المقبلة، فإن روزنامة الاستحقاقات الداهمة والمتلاحقة، تتطلب جهداً وزخماً في تفعيل العمل الحكومي لتعويض فترة التعطيل المتمادية، بسبب الخلافات بين أطراف الحكومة، وليس بقدرة المعارضة التي رفعت شعار ترحيل الحكومة، ولكنها لم تسلك الطريق الذي يؤدي إلى دفع الحكومة على درب الاستقالة!.
* * *

ثمة من يراهن على خلافات بين مكونات الحكومة الحالية، وذلك قياساً على تجارب سابقة ومريرة عاشها البلد مع الخلافات الوزارية التي تفجرها حسابات المصالح والمغانم، فضلاً عن سياسة المزايدات المكشوفة التي يلجأ إليها أكثر من طرف حكومي، لتحسين أوضاعه الشعبية عشية الانتخابات النيابية المقبلة.

ومع ذلك، فلا مفر من مطالبة أهل الحكم بضرورة العمل بجدية وشفافية على معالجة الملفات الملحة، وفي مقدمتها: وضع مشروع قانون جديد للانتخابات، إنجاز التعيينات القيادية في المؤسسات الإدارية والقضائية التي تعاني من شلل وخواء إداري، بسبب الشواغر المتزايدة يوماً بعد يوم، تسريع التشكيلات الدبلوماسية، ووضع خطة عملية، ولعل هذا الأهم، لتحقيق التوازن بين زيادة الإنفاق العام، في حال إقرار سلسلة الرتب والرواتب الجديدة، وتراجع واردات الخزينة، حيث تعتزم وزارة المالية اللجوء إلى اصدارات جديدة من سندات الدين بكلفة تفاقم من عجز المالية العامة.

رب قائل إن تحقيق مثل هذه الخطوات الأساسية لتثبيت تعويم الحكومة، واستعادة الثقة بقدرة الدولة، تحتاج إلى حكومة من نوع آخر، أو على الأقل لا بدّ من توفّر ميثاق شرف وتعاون بين مكونات الحكومة الحالية، حتى تستطيع النهوض بتلك الملفات المهمة، والتي لا تخلو من تعقيدات الحسابات الحزبية والفئوية، وتجاوز قطوع الخلاف والتعطيل الذي كان يقع دائماً بمجرد تباين وجهات النظر على طاولة مجلس الوزراء، حيث يتمترس كل وزير خلف فريقه الحزبي والسياسي، ضارباً عرض الحائط مصالح الناس والبلاد. أليس هذا ما حصل في موضوع المياومين وأزمة الكهرباء مثلاً؟.
* * *
يبدو أن الرئيس نجيب ميقاتي، وقبله الرئيس ميشال سليمان، أدركا منذ فترة أهمية وجود حكومة وفاقية تضم فريقي 8 و14 آذار، تكون قادرة على التصدّي للمشاكل والأزمات الداخلية، إلى جانب قدرتها على التعاطي الواعي مع تداعيات العاصفة السياسية في المنطقة، وخاصة مضاعفات الأزمة السورية التي بدأت رياحها تلفح الوضع اللبناني، وتهدد بنقل النيران السورية إلى داخل لبنان، الذي يعاني من هذا الوضع الهش، بسبب الانقسامات العامودية بين الأطياف اللبنانية.

إن طرح الملفات المعقدة، والمشاكل الطارئة، وقضية الاستراتيجية الدفاعية وسلاح «حزب الله»، على طاولة الحوار بشكل صريح وواضح، وفي إطار الحرص على التخلص من هذا الانقسام الخطير الذي يُهدّد أمن البلد، ولا يوفّر الضمانات اللازمة لحزب الله في حال فَـقَـدَ الحليف السوري. إن من شأن هذا الطرح أن يخلق الأجواء الإيجابية المناسبة لتشكيل حكومة «إجماع وطني» تحافظ على الأمن من جهة، وتشرف على إجراء الانتخابات النيابية، إذا كان ثمة إجماع حقيقي على إجرائها في مواعيدها الدستورية.

لا مصلحة لحزب الله في الاستمرار بسياسة المكابرة واعتبار أن الوضع السوري باق على النحو الذي كان عليه قبل اندلاع الانتفاضة الشعبية المسلحة، وبالتالي من العمل على إعادة ترتيب العلاقات الداخلية بما يُخفّف على الحزب من خسارته عند فقدان الدعم السوري، واعتبار أن تفاهمات الجبهة الداخلية هي الضمانة الأولى والأخيرة للحزب في المرحلة المقبلة.

لقد سبق الكثير من حركات التحرر والمقاومة العربية والعالمية، أن مرّت بمثل هذه المرحلة التي فرضت على قيادات تلك الحركات إعطاء «الوحدة الوطنية والتفاهمات الداخلية» الأولوية على كل ما عداها من أولويات سابقة، بما فيها مسألة استخدام السلاح، أو حتى إعادة النظر بتقييم دور السلاح في العمل السياسي الوطني.

* * *
عودة الروح إلى العمل الحكومي خطوة مهمة ومفيدة لتخفيف معاناة النّاس اليومية، ولكنها لا تكفي، لأن المسألة التي يتخبّط فيها الوضع اللبناني تتطلب وفاقاً، بل إجماعاً وطنياً، على ضرورة إنقاذ البلد قبل فوات الأوان، وقبل أن تضرب زلازل المنطقة أسس الصيغة اللبنانية وقواعدها الفريدة من نوعها في الإقليم!.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل