نجاح المصالحة… مسؤولية حزب الله أيضاً!
تنفّست بيروت الصعداء… وعادت علامات الارتياح الى وجوه أهلها وسكانها··· وبدأت مؤشرات القلق والتوتر تتلاشى من أحيائها، مع إزاحة كابوس الصور والأعلام والشعارات عن صدر سيدة العواصم، التي صمدت ودفعت غالياً أثمان تمسكها بالثوابت الوطنية والقومية الكبيرة·
بدأ تنفيذ اتفاق رفع الصور والأعلام والشعارات عشية انعقاد مجلس النواب في إحدى أهم جلساته لمناقشة مشروع قانون الانتخاب الجديد، ولا نغالي إذا قلنا إن الناس في بيروت لم يكترثوا بمناقشات القانون الانتخابي العتيد، لا بمؤيّديه ولا بمعارضيه، وانصرفوا إلى تهنئة بعضهم بعضاً بتنظيف شوارع بيروت من مظاهر التخلف والاستفزاز التي هيمنت على أحيائها، وأقلقت سكانها طوال الأشهر الماضية، في ظل تفاقم ظاهرة الصور والشعارات الحزبية، التي غالباً ما كان تعليقها على هذا العمود، أو في تلك الزاوية، بمثابة الشرارة التي تولّد الاحتكاك بين شباب الحي الواحد، المنقسمين حسب انقسامات قياداتهم ومرجعياتهم··!·
وسرعان ما تبين للقاصي والداني أن ما يهمّ الناس ليس الزبد الدائر في جلسات مجلس النواب، بل الخطوات العملية التي تمكّن العباد من العودة إلى الحياة الطبيعية بهدوئها وإيقاعها، والتقاط لقمة العيش في هذا الزمن الرديء، زمن الإفلاسات والانهيارات المالية الكبرى·
··· تبين أن ما يهمّ الناس فعلاً هو الاطمئنان إلى وضع أمني مستقر، يساعدهم على إرسال أولادهم إلى المدارس وتأمين عودتهم إلى منازلهم، بعيداً عن هواجس الاشتباكات الطارئة والتفجيرات الغادرة·
··· تبين أن ما يهمّ الناس حقيقة، هو استعادة أجواء الود والإلفة والثقة بين الجار وجاره، بين الصديق وصديقه، بين طالب الجامعة وزميله، وبين عامل المصنع ورفيقه، وأن تبقى الكلمة الطيبة هي أساس الحوار، لا السلاح، لمعالجة الاختلافات السياسية، مهما اشتدت وطأة الانقسامات الحزبية والفئوية··!·
* * *
وإذا كانت علامات الارتياح والانفراج بدأت تظهر مع نجاح مساعي ومبادرة النائب سعد الحريري في تحقيق المصالحة في طرابلس، وإنقاذ الفيحاء وأهلها الصابرين والصامدين من بلاء فتنة قد لا تبقي ولا تذر، فإن المصالحة الكبرى في بيروت بين قيادتي <المستقبل> و <حزب الله> هي القادرة على إعادة فتح أبواب الأمن والاستقرار والثقة على مصراعيها، في العاصمة وفي بقية المناطق اللبنانية، نظراً لخطورة المرحلة التي وصل إليها الصراع بينهما، والتي كادت أن تؤدي الى فتنة مذهبية تحرق الأخضر واليابس، ويهدد انتشارها وحدة الأمة الإسلامية، ليس في لبنان وحسب، بل وعلى امتداد العالم الإسلامي كله·
لقد تعالت بيروت على جراحها، وصمدت على ثوابتها رغم هجمة <ذوي القربى> الظالمة، وتمسكت بعروة الوحدة بمواجهة رياح الشرذمة والفتنة، واستعادت سلاح الموقف الذي كان وما زال، أقوى من أي سلاح آخر، في التصدي للقضايا الوطنية الكبرى، وفي معالجة الأزمات الداخلية المعقدة·
لقد انتصرت بيروت على الفتنة بسلاح الإيمان والوحدة، بين السنّة والشيعة، وبتأكيد أسس الود والإلفة والتوحّد الموجودة في كتاب الله، والتي تعززها علاقات القربى والتزاوج المنتشرة بين أهل المذهبين، والتي يحدّدها البعض بربع مليون زيجة مختلطة في لبنان، وتصل عند البعض الآخر إلى حوالى نصف مليون زيجة!·
لقد أحبطت بيروت موجة الحقد والكراهية، وأبت الانجرار إلى لعبة الفعل وردة الفعل، وابتعدت عن منطق الثأر، وطوت حديث الاعتذار، وسعت إلى لملمة الجراح حفاظاً على الوطن الواحد، والشعب الواحد، والصف الواحد!·
* * *
غير أن الحرص على طي صفحة الخلافات المؤلمة، والتطلع إلى استعادة أجواء الوحدة والإلفة، ليس مسؤولية بيروت ومرجعياتها السياسية والروحية وحدها، بقدر ما هي مسؤولية الأطراف المعنية مباشرة بما وصلت إليه الحالة في العاصمة من تردٍ وتوتر واحتكاكات، وخاصة حزب الله الذي يتحمل مسؤولية وطنية كبيرة في إعادة أجواء الثقة والاطمئنان إلى بيروت وأهلها الكرام، كما قال السيد حسن نصر الله في خطابه أول أمس·
لا تكفي إزالة الصور والأعلام والشعارات حتى نقول إن المصالحة قد نجحت· قد تكون عملية تنظيف شوارع العاصمة من مظاهر الاستفزاز الخطوة الأولى، والتي لا بدّ منها، لتهدئة النفوس ومعالجة أسباب التوتر في الشارع، ولكن لا بد من خطوات أخرى، أكثر جدية، وأكثر صدقية وفعالية، في وأد الفتنة، وفي مقدمة تلك الخطوات المبادرة إلى إقفال المكاتب المسلحة في الأحياء وسحب كل الأسلحة إلى خارج بيروت التي يجب أن تكون مدينة بلا سلاح ميليشياوي، ويكون الأمن فيها في عهدة القوى الشرعية فقط·
لقد أثبتت التجارب المريرة، القديمة منها والجديدة، أن السلاح في بيروت محرقة لأصحابه، وعبئاً ثقيلاً على القضية التي يعملون لأجلها· هذا ما حصل بالأمس مع المقاومة الفلسطينية، وهذا ما لا نتمنى حصوله اليوم مع المقاومة الإسلامية·
* * * يبقى أن نقول إن بيروت تدعم وتؤيّد <مصالحة الشجعان> التي يقودها رئيس <تيار المستقبل> سعد الحريري، وبيروت، ومعها كل لبنان، تتطلع إلى اللقاء المنتظر للزعيم الشاب مع الأمين العام لحزب الله، لتأكيد التوجه الحاسم لمعالجة الخلافات بالحوار والكلمة الحسنة، وليس بقرقعة السلاح، والتهديد الدائم باستخدام القوة·
السلاح يجب أن يبقى موجهاً نحو العدو الواحد، أما الأيدي الممدودة، والكلمة الطيبة والحوار الصادق، يبقى هو الطريق الأوحد والأسلم لمعالجة الخلافات السياسية في الداخل!·
ولتكن مصالحة <المستقبل> مع <حزب الله> <عيدية الفطر> مع الدعاء الدائم بأن تعمّ المصالحات كل المناطق اللبنانية، وخاصة المصالحة المسيحية – المسيحية، والتي لا بدّ منها لاستكمال خطوات الانتقال إلى العمل الديمقراطي السليم·