#dfp #adsense

الدولة اللبنانية .. محفوظة في أمانات العشيرة

حجم الخط

الدولة اللبنانية محفوظة في الأمانات. بهذا يطمئننا "الجناح العسكري لعشيرة آل مقداد". حين يصطلح حال هذه الدولة، وتتعافى مؤسساتها، وتنهض بوظائفها، وتنتعش أجهزتها، لن يتردّد هذا الجناح في اعادة "المهام السيادية" الى صاحبتها، أي الى الدولة، بل قد يحلّ هذا الجناح نفسه ولا يعود بحاجة الى أسلحة وبزّات عسكرية وملثّمين. لكن الى ان تتلمّس العشيرة مفهوم الدولة واقعاً معاشاً وملموساً، فان الوضع سيبقى على ما هو عليه: هي تخطف وتقضي في المخطوفين، أما الدولة فمحفوظة في الأمانات، "ديبوزيت".

ليس هناك "خروج للأهل على الدولة" (العبارة الشهيرة لوضاح شرارة) اذاً، في عرف "الجناح العسكري" للعشيرة، لأنه في الأساس، "لا دولة" كي يتمّ الخروج عليها، بل "وظائف سيادية شاغرة" يقوم المواطنون بملئها وتسييرها على قاعدة الحفاظ على املاك الغائب الى ان يعود فيستلمها.

يسبح هذا "المنطق" في بحر من الثقافة الشعبية الرائجة التي تقول انه لا دولة في لبنان، ومن الثقافة التلفزيونية "التوكشوية" التي تقول الشيء نفسه، ويسير في الركب ايضاً مثقفون وأكاديميون عمموا "الكسل النظري" نفسه. فبدل الالتفات الى الواقع التاريخي المتعرّج لحضور وانسحاب مفهوم الدولة في بلد كلبنان، عمد هؤلاء الى المسارعة الى نفي انطباقه علينا من الاساس، او حسبوه قد اندثر على هذه الارض منذ زمن طويل. هذه مفارقات المفارقات: هم لا يحدثوننا الا عن "دولة الحق"، وعن "المجتمع المدني" قبالتها، لكنهم يفتون بغياب الاثنين، وهذا لغو بلا طائل، وعجز عن استخدام هذه المفاهيم الاساسية في الحداثة السياسية، والتصور فقط كما لو انها تتصل بحالة "المدينة الفاضلة"!!.

ولعلها فرصة اليوم للقول ان هذا غير صحيح. فمفهوم الدولة الحديثة ليس من النوع الذي إما ان يحضر بكماله وإما ان يحكم بغيابه. والدولة الحديثة، الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، لم تندثر تماماً في لبنان في اي يوم. لا في احلك ظروف الحرب الاهلية ولا في اسوأ مراحل الوصاية السورية.

كانت الدولة تضمحل، تنحسر، تفقد اتزانها، تغيب عن الوعي، تكفّ عن اداء معظم وظائفها، لكنها لم تندثر تماماً في اي يوم. لا يمكن مثلاً كتابة تاريخ لبنان في زمن الحرب الاهلية باختزاله الى تاريخ الميليشيات فقط، بل ان تاريخ الجيش في زمن الحرب الاهلية يبقى مدخلاً وتحدياً اساسياًً لإمكانية تأريخ هذه الحرب. وعلى صعيد آخر، ثمة مناطق استطاعت الدولة اللبنانية ان تستمرّ فيها بشكل أفضل من مناطق اخرى، وهذا ايضاً بُعد أساسي لوعي تعقيدات حضور وغياب مفهوم الدولة حتى في أصعب الظروف.

أما "الكسل النظري" المتسرّع بأن "لا دولة في لبنان"، فهو علاوة على كونه يسيء معرفة الواقع اللبناني، انما يحرّض على "التجاوزات العملية"، انطلاقاً من معادلة "إبقِ الدولة اللبنانية محفوظة في الذاكرة والأمانات، وافعل ما شئت".

هذا يعني استطراداً، وجوب ان تدفع هذه الاستهانة بمفهوم الدولة، بحجة انها غائبة ويستعاض عنها بأعمال الخطف وقطع الطرقات الى ان تعود و"تستلم"، الى اعادة التفكير في مفهوم "العبور الى الدولة". فالجناح العسكري لآل مقداد، ومن قبله حركات قطع الطرقات واحتلال الساحات، استخدمت جزئياً المنطق نفسه: الدولة غير موجودة. العبور اليها يكون بالحلول مكانها مؤقتاً للنهوض بوظائفها.

مثل هذا المنطق هو تحديداً ما ينبغي اعادة تأهيل مقولة "العبور الى الدولة" لأجل مواجهته: انه عبور الى دولة موجودة، وليس الى دولة مبهمة ولا اصل لها. هو عبور الى فك قيدها، وتوسيع مساحة حضورها، لانها الآن حاضرة في مناطق دون اخرى، ومتفاوتة الحضور حيث هي حاضرة. وفي الاشهر الاخيرة، كثيراً ما بدت الدولة اللبنانية تنحسر الى المناطق ذات الصبغة المسيحية.

النقاش حول الدولة لا يمكن ان يبقى رهينة الكلام في المجرّد. علم الاجتماع السياسي اللبناني العفوي او المبتذل كان يمني نفسه باستهلاك ثم اعادة استهلاك مقولة ان " لا دولة بل سلطة في لبنان"، الى ان جاء "الجناح العسكري" للعشيرة فسلب منه هذه المقولة. حان الوقت، في المقابل، لإعادة التفكير في هذه الدولة الضامرة، التي لم تغب أبداً بشكل كليّ، ومن يغيّبها في كلامه عنها انما يعمل على تغييبها بالفعل اكثر فأكثر.

وما يقوله الجناح "العسكري" للعشيرة، تقوله "المقاومة" الفئوية أيضاً: لو كانت الدولة قوية، اسبارطية، قادرة، لما كانت هناك حاجة الى المقاومة الخارجة عن "كنفها"، وغير الراضية للاحتكام الى إمرتها. في المجتمع المحكوم بثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" من الطبيعي جداً ان يخرج "جناح عسكري" لعشيرة عن السيطرة، حين تبدو الدولة "عاجزة".

زعيم "حزب الله" برّر الفلتان الذي حصل بمقولة "الخروج عن السيطرة"، ولم يجد ضرورة ليستنكر في الوقت نفسه هذا الفلتان، الذي اتخذ طابعاً عنصرياً يفترض الا يتناسب ابداً مع "أممية حزب الله"!.
في المقابل، كان الطريف البارحة، ان "الجناح العسكري" للعشيرة برّر وقف أعماله الحربية بعدم نيّته الدفع باتجاه الفوضى، غامزاً من قناة مسارعة عشائر أخرى الى خطف الناس واحتجازهم. العشيرة "المنظمة" تعتبر ان حذو حذوها من طرف العشائر الاخرى ينذر بخروج الامور عن السيطرة. هي لا ترضى على الأقل بذلك. نقطة تفوّق على "حزب الله".

العشيرة والحزب يرددان الشيء نفسه حول خروج الامور عن السيطرة، كل بحسب ترتيبه. مع الفارق: الحزب يصف الأمر كما لو انه امر طبيعي، وتفصيلي وغير مهم. أما العشيرة فتتباهى بأعمالها العسكرية، وبوقف هذه الاعمال في الوقت المناسب، على بقية العشائر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل