التوصيف السوري المصطنع شمالاً يُخفي وراءه نوايا مبيتة على أبواب انطلاقة المحكمة الدولية
ما هي علاقة نشر الجيش السوري بالمواقف السورية من "التطرف" المزعوم؟
لم يعد ممكناً فصل عملية نشر وحدات كبيرة من الجيش السوري في المناطق المحاذية لشمال لبنان، بمعزل عن تداعيات مرحلة الوجود السوري السابقة، وواقع العلاقة <الهشة> بين البلدين، على خلفية بدء العد العكسي لانطلاق عمل المحكمة الدولية المخصصة لملاحقة ومحاكمة المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الجرائم الإرهابية الأخرى، بالرغم من كل الادعاءات القائلة بالحرص على علاقات منتظمة بين لبنان وسوريا، بمعزل عن هذه القضية، التي أصبحت بيد القضاء الدولي·
إذ لم تكد تمضي بضعة أيام على الانتشار العسكري السوري في ظل تساؤلات وشكوك حول مغزى وأهداف هذا الانتشار في هذه الظروف بالذات، وبعد الاعلان السوري الموجه، بأن ذلك يعود لمكافحة عمليات <التهريب> بين البلدين وللحفاظ على مصالح الاقتصاد السوري، حتى خرج الرئيس السوري عن صمته مجدداً، ليدحض كل الادعاءات السورية ويؤكد بأن هدف هذا الانتشار العسكري السوري لم يكن كما قيل وأشيع في الأجهزة الإعلامية السورية، وإنما كما قال <إن شمال لبنان بات قاعدة حقيقية للتطرف تشكل خطراً على سوريا>·
ولذلك، فان مواقف الرئيس السوري المتكررة حول التوصيف المصطنع للوضع في شمال لبنان، ليست مواقف عابرة وسطحية، بل تدل على توجه سوري معين تجاه هذه المنطقة التي شهدت أحداثاً دموية في الأشهر الماضية، كان للنظام السوري أياد واضحة في تأجيجها توطئة لما يحضره هذا النظام من تدخلات سافرة في الشؤون الداخلية اللبنانية، انطلاقاً من هذه المنطقة، بعدما حاول الاستفادة قدر الإمكان من زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى دمشق وعلاقة النظام السوري مع تركيا، وانفتاحه إلى أقصى الحدود مع إسرائيل في سبيل تغطية تدخله في لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر هذه المرة·
فالتحريض السوري المتواصل، وحشد الجيش السوري غير المبرر، يتناقض مع الادعاءات السورية التي رافقت زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى دمشق مؤخراً، والقائلة بالتأكيد على فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، تستند الى الاحترام المتبادل، وتجاوز كل تداعيات المرحلة السابقة، بل أكثر من ذلك، يؤشر مجرى الأحداث المتتالية، انطلاقاً من الشمال،
بسيناريو سوري يجري الإعداد له في الوقت الحاضر، يشبه الى حد ما سيناريو، تصدير تنظيم <فتح الإسلام> إلى شمال لبنان، كما فعل العام الماضي على أبواب إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن الدولي آنذاك· لإجهاض اقرار المحكمة، ولكنه لم يفلح بذلك، بالرغم من كل المحاولات المستميتة لتعطيل هذا القرار·
اليوم يدّعي الرئيس السوري، انه لا يتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، ولكنه يتحدث أمام زواره اللبنانيين الذي عاد لاستدعائهم على عجل هذه الأيام، عن ضمان سيطرة أتباعه على معظم مقاعد المجلس النيابي في الانتخابات النيابية المقبلة نهاية الربيع المقبل، وأن خصوم الخط السوري التقليدي في لبنان سينهزمون في هذه الانتخابات، كما نقل عنه هؤلاء الزوار أكثر من مرة، من دون أن يصدر أي نفي رسمي سوري لهذا الكلام، مما يؤكد صوابيته، ويدعم التدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية·
ليس هذا فحسب، يدعي الرئيس السوري، انه يقف على مسافة واحدة من كل اللبنانيين، ولكنه في الوقت نفسه يصنّف خصومه اللبنانيين، لا سيما منهم من يرفض التدخل السوري، بالعملاء وينعتهم بأبشع الأوصاف، في حين يستمر في تسويف وتعطيل كل ما من شأنه إزالة الشوائب العالقة في العلاقات الثنائية بين البلدين، والبدء بمرحلة جديدة، تتسم بالتعاطي الايجابي بينهما بعد التفجير الإرهابي الذي استهدف الجيش اللبناني في طرابلس، وهو الثاني في أقل من شهرين، لا يمكن فصل ما يحدث، عما حصل عندما استهدف تنظيم <فتح الإسلام> مراكز الجيش اللبناني في السابق، ولو بأسلوب مختلف هذه المرة·
ولكن ما صح في المرة السابقة، قد يكون أكثر صعوبة هذه المرة، ولو كان هناك أوجه تشابه في السيناريو المرسوم والمبيت من قبل النظام السوري، لإعطاء توصيف مصطنع ومغاير للحقيقة للوضع في منطقة الشمال، لتبرير عمل ما مبيّت ضد لبنان، لإجهاض الخطوات التنفيذية للمحكمة الدولية على أبواب صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمشتبه فيهم أكثر من شخصية سياسية وأمنية للنظام المذكور حسب تقارير لجنة التحقيق الدولية في هذه الجريمة الارهابية·
فالاتهامات السورية المتتالية ضد السلفيين في شمال لبنان وتصويرهم بالمتطرفين، لا يبيّض صورة النظام السوري وأجهزته الضالعة بتصدير الإرهابيين إلى لبنان والجوار، ولا يعفي المتهمين من بعض أجهزته من مسؤولية المثول أمام المحكمة، مهما قدّم من عروضات سخية واختلق من وقائع وهمية في الشمال أو غيره·