لا شك أن الإحتقان في الشارع السياسي إذا صح التعبير هو في أعلى درجاته، وقد تكون حالة الإفتراق بين مختلف مكونات الوطن وصلت إلى ما يشبه القطيعة في حالة نادرة قد تصل ببعض البلدان إلى الطلاق نتيجة انعدام التواصل وهذا ما رأيناه مثلاً في السودان وجنوبه، ولكن في لبنان "البلد الرسالة" يبدو الجميع متمسكاً في مكان ما بالصيغة اللبنانية متجاوزاً العلل البنيوية في النظام مستبدلاً إياها بما توافقوا على تسميته العرف منذ زمن الصيغة الأولى وحتى اليوم وإلى أبد الآبدين مروراً بالحروب التي عايشناها على أرضنا ومن أرضنا .
نقول هذا الكلام اليوم للدلالة على الإستقرار النسبي والذي قد لا نراه بالعين المجردة والدليل الحسي، لا نتكلم عن الإستقرار الزور الذي تتبجح به حكومتنا بل عن الإستقرار الوجودي لهذا الوطن الضعيف، المريض، الممزق أحياناً، المنهوب، المنكوب، الفاسد، بالإضافة إلى كل المآخذ التي قد تخطر بالبال، ولكن لا يمكن إلّا أن نلاحظ وكأن هناك عيناً ساهرة أو عناية إلهية تجعل جميع الأطراف تتراجع عندما تصل الأمور إلى حافة الإنفجار، ينام البعض على أجواء العام 1975 لا بل يذهب البعض الآخر إلى الجزم بعودتها ولكن واقع الحال هو بعيد تماماً عن خطر اندلاع حرب أهلية مرة أخرى في لبنان !
لا نقول هذا الكلام إنكاراً لمشاكلنا الموجودة، ولكن في استعراض للواقع بعيداً من ضجيج وصخب بعض "الشبيحة"، نرى أن عوامل الحرب ليست موجودة على الصعيد الدولي بل إن المجتمع الدولي متفق على إبعاد شبح ما يجري في سوريا عن الداخل اللبناني، أما العنصر الفلسطيني الذي استغل بعض المطالب اللبنانية الإصلاحية للعب على التناقضات والدخول المباشر والأساسي في الحرب اللبنانية فقد تغيرت نظرته للوطن البديل بعد ما حصل على ما يشبه وطناً في الضفة الغربية وغزة، وبالحد الأدنى لم يعد يستطيع اللعب على التناقضات .
أما لبنانياً، لقد طفح الكيل مراراً وتكراراً منذ ال 2005 وحتى اليوم، نزل الجميع إلى الشارع ولكنهم انسحبوا دون تحقيق أي هدف يُذكر باستثناء إنجاز 26 نيسان 2005 الذي تحقق دون ضربة كف تأكيداً على أن العين تقاوم المخرز، لا يخفى على أحد أن جمهور 14 أذار معبأ ومهيأ للدفاع عن وطنه إذا ما دعت الحاجة، وهو حتى لا يتقبل التنازل بالشكل إن حدث، ولكن القيادات التي تحمل لواء العبور إلى الدولة تعلم أن أقصر الطرق لخسارة الدولة وتشرذمها هي الحرب، وهي تقدم التضحيات المؤلمة بالدم والموقف لتجنب هذا الإنزلاق، ويبقى من الأطراف الفاعلة على الأرض "حزب الله" وهو أيضاً لا يريد الحرب ليس طوباوية ولكن بنظرة العارف والقارئ الجيد للنتائج وانطلاقاً من التجارب السابقة يعلم حزب الله أن النتيجة الأولى والمؤكدة لأي فتنة داخلية هو انتهاء دوره دون أن يعني ذلك انتهاء الحزب بالضرورة، مرغم أخاك لا بطلاً ؟ ممكن، ولكن هذا هو الواقع .
أمّا أيتام النظام السوري والطفيليات الذين يشربون من بئرهم من أمثال الحزب السوري القومي، والبعث إلى عيد جبل محسن وصولاً إلى ميشال سماحة وبعض الصغار الآخرين ممن يشكلون أدوات مباشرة "لسوريا الأسد" فهؤلاء قد يستطيعون ارتكاب بعض التوتيرات المحدودة الزمان والمكان والتي تدخل في إطار الجرائم كالتي يرتكبها النظام في سوريا دون أن تصل إلى مرتبة الحرب الأهلية، يبقى التيار البرتقالي الذي يشبه الضوء الأورانج في إشارة السير الذي لا أعرف ما إذا كان دلالة للسير أو التوقف…
