"مذل ومهين" مشهد المسافرين في مطار رفيق الحريري عبر شاشة "اورونيوز" في فقرة "No Comment"ـ اي "بلا تعليق"، وهم يجرون حقائبهم وراءهم، مصطحبين عائلاتهم واولادهم بين الاطارات المشتعلة على طريق المطار خلال الاسبوع الفائت. المسألة مذلة ومهينة واكثر، لكنها ليست كذلك بالنسبة الى الحكومة اللبنانية رغم ان الرئيس نجيب ميقاتي عندما كان وزيراً للاشغال، كان المبادر الى اعداد مشروع لاطلاق العمل في مطار الرئيس رينه معوض، او اختصاراً مطار القليعات، ادراكاً منه لأهمية وجود مطار ثان في لبنان.
خلال جلسة الحوار الاخيرة، بادر النائب ميشال فرعون الى طرح الموضوع، لأن الامور "لم تعد تحتمل واللبنانيين جميعاً اصبحوا مشروع رهائن على طريق مطار رفيق الحريري". لكن الاكثر اذلالاً من مشهد المسافرين وحقائبهم، ما يرويه فرعون عن رحلة طائرة شركة "أير فرانس" الى بيروت خلال قطع طريق المطار، وما كان من امر هبوطها قسراً في مطار دمشق الدولي رغم كل المحاذير الامنية، وذلك بعد تحويل مسارها عن مطار بيروت، اذ قام الركاب بجمع مبلغ 19 الف دولار اميركي من جيوبهم الخاصة من اجل دفع ثمن المحروقات للطائرة لتتمكن من العودة بهم الى بيروت او الى اقرب مطار فكان ان هبطت في قبرص. وبرأي فرعون ان كل الدول تمتلك مطارين وثلاثة واربعة، ولكن اصرار بعض القوى في "8 آذار" على التعامل مع هذه المسألة على انها قضية سياسية يعوق تطور الامور ايجاباً، ويشير فرعون الى وجود مطارات القليعات، حامات ورياق، وان لا سبب يحول دون تطويرها واستخدامها في الاحوال العادية والطارئة، تماماً كما يوجد مرفأ في بيروت ومرافئ اخرى في جونية وطرابلس وصيدا وصور، وكلها تعمل تحت اشراف الدولة اللبنانية.
منطق الرهينة
يروي نائب بيروت ميشال فرعون انه تلقى مئات الاتصالات من مواطنين مؤيدين لطرحه ومطالبين بأن لا يكون مطار بيروت الدولي رهينة في يد اي حزب او جماعة مسلحة. لكن منطق الرهينة لا يكفي لتبرير الامر، على ما يبدو، والمسألة بالنسبة الى النائب احمد فتفت تختصر بالحاجة الى "قرار سياسي كبير بفتح مطار رينه معوض" خصوصاً ان ثمة مشكلة في المطار نتيجة وجوده قرب الحدود السورية، الامر الذي يوافق عليه النائب جان اوغاسبيان لجهة تأكيد الحاجة الى قرار سياسي. ويذَكر اوغاسبيان بأن الوزيرة نائلة معوض طرحت فكرة تشغيل مطار القليعات ابان حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، لكن الامور كانت تعود دائماً الى دائرة القرار السياسي ورغبة فريق معين في الابقاء على حصرية هذا المنفذ الحيوي، وتالياً حصرية الهيمنة عليه. والمسألة برمتها، برأي اوغاسبيان، ليست تقنية، ذلك لان مطار القليعات قادر على استقبال طائرات اسوة بمطار بيروت، لكن المشكلة تبقى في دائرة القرار السياسي وحده.
رفض سوري للقليعات ؟
تؤكد الوزيرة السابقة نائلة معوض انها تقدمت بطلب اعادة فتح مطار القليعات تحت عنوان انمائي عريض، بأنه لا يجوز عدم فتح المطار الشمالي لاسباب اقتصادية واجتماعية تنعش منطقة برمتها، وذلك في معزل عن منطق الرهائن. لكن ما يجري في الآونة الاخيرة على طريق المطار يضيف، الى الاسباب الانمائية، حجة قانونية ووطنية برفض منطق ان يبقى المطار رهينة واللبنانيون الآخرون مشروع رهائن لدى آل المقداد وجناحهم العسكري وكلما عنّ على بال احد ان يقفل المطار لسبب خاص.
تتذكر معوض ان الرئيس نجيب ميقاتي اعد خطة لفتح مطار القليعات عندما كان وزيراً للاشغال، وفي رأيها ان القليعات جاهز لاستقبال الطائرات، وتحتاج مدرجاته الى الصيانة، لكنها لا تقل اهمية عن مدرجات مطار بيروت، والامر يحتاج الى القليل من التجهيزات لكي تستقيم الامور لكن. "اعتقد ان هناك رفضاً سورياً للامر ورغبة في استمرار الهيمنة عبر مطار بيروت من "حزب الله" الذي يهيمن على هذا المرفق الاستراتيجي ويشكل نافذته الى العالم"، والكلام لمعوض التي تضيف: "لو لم يكن مطار رينه معوض موجوداً ومطار حالات ومطار رياق لكنا تفهمنا الامر، لكن القليعات يحتاج الى القرار السياسي لتنتهي هذه البهدلة وعذابات العائلات ورعبها على طريق مطار بيروت".
تتابع معوض انها سمعت ان لمطار حامات مدرجا مهماً ويستخدم من الجيش وتهبط فيه طائرات عسكرية اميركية ضخمة، ولكن رغم ذلك يركّبون عنه اخباراً بأنه غير صالح وما الى ذلك، وكذلك يفعلون بالنسبة الى مطار رياق، وتالياً لا يجوز الاستمرار في هذه المسألة، والمسؤولية تتحملها الحكومة لان حرية اللبنانيين وزائري لبنان ليست رهناً لحزب مسلح وعشائر مسلحة".
قباني والعوامل السلبية
لرئيس لجنة الاشغال النيابية محمد قباني رأي مغاير "قليلاً" ورغم تمسكه بالحاجة الى مطار ثان الا انه يحدد استناداً الى زياراته السابقة الى مطار رينه معوض، جملة امور تجب معالجتها قبل الدعوة الى بدء العمل بالمطار ذلك لان الموقع والمدرج ورغم اهميتهما ليسا كافيين برأيه، والاهم هو انشاء "الهيئة العامة للطيران المدني، لأن الكادر الحالي لا يكاد يكفي مطار بيروت فكيف به امام التعامل مع مطارين؟" ويرى أن اعداد الفريق البشري للمطار يبقى العائق الاكبر، لأن التجهيزات التقنية متوافرة ضمن حرم مطار رفيق الحريري، لكن مشكلة ادارة القليعات تطرح مشكلات عمن يتولى ادارة هذا المطار".
سبب آخر يقدمه قباني يتصل برأيه بالحاجة الى الاتفاق مع السلطات السورية على تشغيل المطار، لان حركة الملاحة الجوية عند الهبوط والاقلاع تحتاج الى المرور في بعض الاجواء السورية، وهذا غير ممكن اليوم بسبب الوضع الامني في سوريا. اضافة الى سبب آخر يختصره باتجاهات الرياح التي غالباً ما تكون جنوبية غربية في الشمال. وفي اختصار يرى قباني ان استعمال المطار اليوم ممكن في الرحلات الداخلية وللطائرات المتوسطة والصغيرة الحجم. لكن كل ذلك ينتهي عند القرار السياسي الذي يحتاجه مطار رينه معوض بدءاً من الهيئة العامة للطيران الى تجهيز الفريق البشري، وصولاً الى التجهيزات.
ينفرد رئيس اتحاد الغرف اللبنانية ورئيس غرفة بيروت وجبل لبنان محمد شقير بالاعلان ان الحكومة قررت فتح مطار ثان وأن القرار اقتصادي بحت، ولا دخل له بالسياسة وشؤونها من قريب او من بعيد. ويعلق شقير على الحاجة الى اتفاق مع الدولة السورية للسماح للطائرات بعبور الاجواء السورية اثناء الهبوط والاقلاع من القليعات، بأن تجهيز مطار رينه معوض يحتاج الى مدة من الزمن، والى حين انجاز ذلك فإن الامور تكون قد تغيرت في سوريا، ويشدد على الحاجة الى مطار آمن للمستقبل وأن غالبية الطائرات التي تهبط في مطار بيروت هي من طراز تشارتر، وتالياً تستطيع الهبوط في كل المطارات اللبنانية …
مطار بيار الجميّل في حامات عطّله السوريون
قبل مدة اعد الباحث نبيل يوسف دراسة عن مطار حامات او "مطار بيار الجميل الدولي" اشار فيها الى استخدامه من الجيش اللبناني لهبوط طائرات عسكرية أميركية من نوع "سي 130" لانزال معدات عسكرية لصالح الجيش اللبناني. وذكر يوسف ان الفكرة بدأت العام 1973 بين الرئيس فرنجية، الرئيس كميل شمعون، والشيخ بيار الجميل، في اجتماع في قصر بعبدا بعد تعرض مطار بيروت الدولي للقصف وسيطرة التنظيمات الفلسطينية المسلحة على الطريق المؤدية اليه، وحاجة "المناطق المسيحية، من زغرتا شمالاً الى كفرشيما جنوباً ودير الأحمر شرقاً، الى منفذ جوي".
وهكذا وقع الخيار اولاً على تحويل الاوتوستراد أمام القاعدة البحرية في جونيه البالغ طوله نحو كيلومتر مدرجا يمكنه استقبال طائرات صغيرة، فيفتح بذلك منفذا جويا الى الخارج. وجاء من يخبر الشيخ بشير الجميل أن في مرفأ بيروت طائرة صغيرة ماركة "بيغل BIGEL" وهي بمحرك واحد موضوعة في صناديق تمهيداً لشحنها براً الى العراق، وانه يمكن جمعها واستعمالها. نقلت الصناديق من مرفأ بيروت الى أمام قاعدة جونيه وبدأ بعض طلاب ميكانيك الطيران بجمعها.
في هذا الوقت استطاع أحد طياري سلاح الجو اللبناني الاقلاع من مطار رياق بطائرة تدريب ماركة "دوف DOVE"، وهي طائرة بمحركين أكبر من طائرة "بيغل" وتتسع لثمانية ركاب، وحط فيها على مدرج قاعدة جونيه المستحدث. تبعه طيار آخر قادم من قاعدة القليعات الجوية يقود طائرة تدريب من نوع "فوغا". ولم يتمكن طيار ثالث من الاقلاع بطائرة تدريب صغيرة من نوع "شيكمن". هكذا ولد أول مطار في المنطقة الشرقية وقامت الطائرة "دوف" وبعض الطوافات التي أحضرت من رياق والقليعات بأكثر من رحلة أسبوعياً الى قبرص واليونان، خاصة لنقل الجرحى والأدوية والمعدات الطبية والبريد. في نيسان 1976 أقلعت الطائرة من المدرج وعلى متنها طيار ومساعده، في طريقها الى قبرص لاحضار شحنة أدوية، لكنها سقطت في البحر الذي ابتلعها مع ملاحيها.
لكن الحاجة برزت الى مطار "حقيقي" فاقترحت حامات عند حدود بلدة وجه الحجر أعلى رأس الشقعة في منطقة البترون كاحتمال أول، وبلدة معاد في منطقة جبيل كاحتمال ثانٍ، ومحلة سهل الجديدة في منطقة زغرتا كاحتمال ثالث. وبررت اللجنة تصنيفها على اعتبار أن موقع حامات يتمتع بتسهيلات طبيعية تضاهي مطار بيروت الدولي، اذ في الامكان جعل مدى مدرجه أربعة آلاف متر، ومن الممكن أن يبلغ طوله في المرحلة الأولى وبسرعة نظراً الى طبيعة الأرض 1900 متر بعرض 120 متراً، اضافة الى امكان انشاء ثلاث حظائر للطائرات، وبذلك يمكنه استقبال 3 ملايين مسافر في السنة و35 طائرة في اليوم بسبب نوعية ارضه الصخرية. ومن أهم ميزات هذا الموقع وجوده فوق هضبة مكشوفة تسمح للطائرة بالهبوط فوق البحر بحيث تصل الى زاوية تقارب الصفر عند أول المدرج، في ظاهرة شبه نادرة في المطارات العالمية، اضافة الى اعتبارات اتجاه الهواء.
اختير موقع حامات، ويقال ان مختار البلدة ومختار وجه الحجر قاما بتسليم أصحاب العقارات تعهدات موقعة من بشير الجميل بدفع كامل الحقوق التي اتفق عليها. وانطلق العمل الى ان كان صيف العام 1976 بوتيرة سريعة، وأسس حزب الكتائب شركة قامت بشراء العقارات الواقعة ضمن حرم المطار وتسجيلها. وتقرر تسميته: "مطار بيار الجميل الدولي". لكن القوات السورية دخلت البترون ربيع العام 1978 وانسحب مقاتلو الكتائب الى جبيل، تاركين فيه معدات الرادار التي كانت وصلت حديثاً من أوروبا. وكان يلزم أرض المدرج طبقة واحدة من الاسفلت ليباشر استقبال الطائرات.
تمركز القوات السورية في مطار حامات أوقف كل الأعمال وسرقت جميع المعدات، وأصبح مهبطاً لطائرات الهليكوبتر السورية.