الإحساس السوريّ بأن العالم يقف مغلول اليدين أمام همجية "النظام المولوخي" (نسبة الى الاله مولوخ، المتعطش دائماً لدماء قرابينه من الأطفال في الأساطير السورية القديمة) هو احساس عارم، ومرير، وخطير، ويجد لنفسه اكثر من تعبير، ولا يمكن السيطرة مسبقاً على تداعياته. هو احساس موجود بعمق، بصرف النظر عن مطابقته وحجم مطابقته للواقع، وبصرف النظر عن انسجامه الداخلي.
انه بالدرجة الاولى احساس بديهي، من النوع الذي رافق ويرافق جميع المضطهدين والمظلومين والثائرين في التاريخ. احساس بأنه، وخارج الدائرة المحصورة التي تمارس داخلها اعمال الاضطهاد والقمع، ثمة جغرافيا ممتدة تمتنع عن التدخّل ضدّ هذا الشرّ الممارس، أو هي تتدخل لصالحه. ويستكمل ذلك بشعور آخر، بأن مقارعة الظلم في هذه البقعة التي يستبيحها الشرّ، انما تنتصر لجميع المظلومين في الاجيال السابقة وفي البلدان المختلفة.
لكنه من ناحية أخرى احساس ملتبس. فهو يخلق في الآن نفسه شعوراً بأن العالم واحد، ولا حرج في أن يهبّ الكلّ فيه لنصرة الجزء المستباح دمه، وشعوراً معاكساً بأن العالم أصمّ وأبكم، ليس فيه من الوحدة غير الانشاءات اللفظية، ولا تتناقض عولمته وحقوق انسانه، واحلام قريته الكونية مع ترك نظام دمويّ ينفّذ مجازره لسنة ونصف السنة، دون توقف وبشكل متصاعد.
هو في وقت واحد احساس يعزّز شعور الثوار السوريين والمتضامنين معهم بمحليّة زائدة وبكونيّة زائدة. محليّة زائدة، منطقها ان الانسانية لو كانت تعلم كم ان الثورة محقة والنظام همجي، لما توانت عن التدخّل. وكونيّة زائدة، منطقها ان الموقف من الثورة السورية هو اليوم معيار لإنسانية هذا الانسان او ذاك. لا يعني ذلك ان الثورة السورية يتملكها الشعور الذي تملّك اهل الثورتين الفرنسية والروسية بأنّهم في مركز العالم، بل يعني ان الاحساس السوري بالعالم مغلول اليدين هو احساس بمحلية مراكز العالم، وانقطاع او تدهور كونيتها، وتواضع الأثر الذي يتركه مفهوما "القانون الدولي" و"حقوق الانسان" في مسارات هذا الكوكب.
وهو من هذه الناحية احساس يولّد شعوراً وطنياً، كيانياً سوريّاً، بالفخر الثوري والتباهي: الانتصار حتميّ على النظام الملعون رغم رياء نصف العالم وهشاشة نصفه الآخر. هكذا تفصح الثورة عن مكنونها. لكن، وبشكل عكسيّ، هذا يولد شعوراً ما قبل كيانيّ، وما قبل كيانيّ يعني الشعور بأنه ما دام العالم الخارجي غير موجود، يمكن الردّ على الهمجية بالهمجية، واستحباب لغة "قتلوا منا، ونقتل منهم".
هو اذاً احساس يدفع بالنقائض للظهور الى السطح. الواقعية السياسية واللاسياسة في آن. أصناف لا يزال مسيطراً عليها الى الآن من "نظرية المؤامرة": فالمستوى المتواضع نسبياً من التدخل الدولي لوقف عذابات الشعب السوري، يترك في ثقافة سياسية غير متممة شروط العقلانية والحداثة، شعوراً بأن العالم الخارجي يتآمر على الثورة، او انه تخلى عنها في منتصف الطريق. في المقابل، فإن الواقع المخالف لنظرية المؤامرة يعود فيسند النزعات الواقعية: فكلما تواصل المدّ الثوري، او القدرة الثورية على الاحتمال، وكلما استطاعت الثورة ان تميز عنفها عن همجية عنف النظام، وكلما استطاعت ان توحي بأنها ماضية، مصممة، على الاطاحة بالنظام، ليس لاستبدال طغيان فئوي "أقلوي" بآخر "أكثروي"، كلما كانت مساعدة العالم لها فعالة اكثر، وكلما كانت هي بحاجة اقل الى مثل هذه المساعدة.