كتب عمر الصلح في صحيفة "الجمهورية":
ظهرت في الآونة الأخيرة ملامح تبدّل في تناول وسائل الإعلام الروسية للأزمة السورية، والظاهر من خلال المتابعة للتغطية الإعلامية اليوميّة أنّ لغة الإعلام الروسي بدأت تتحوّل من التركيز على المنحى السياسي للأزمة باتّجاه الرؤية العسكرية بتفاصيلها الدقيقة.
إسقاط الجيش الحر مروحية عسكرية تابعة للجيش النظامي السوري كان محطّ تحليل ودراسة لوسائل الإعلام الروسية خلال الأيام الماضية، إذ سيطرت لغة العسكر على الصفحات الأولى للصحف الروسية، وعلى مقدّمات نشرات أخبار قنوات التلفزة الرسمية، علماً أنّها ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها الإعلان عن إسقاط مروحية عسكرية في سوريا، ولكنّ اعتراف وزارة الدفاع السورية للمرّة الأولى باستهداف مروحية عسكرية وإسقاطها دفع الخبراء الروس إلى التدقيق بنوعية الصاروخ الذي أسقط المروحية، والتكهّن بالمصدر الذي وفّر لعناصر الجيش الحر تلك المنظومة الصاروخية.
وعلى رغم أنّ عدداً من الخبراء العسكريين الروس الذين تصدّروا وسائل الإعلام لم ينفوا صعوبة الأوضاع الميدانية إلّا أنّ أحداً منهم لم يشكّك بقدرة النظام السوري على حسم المعركة عاجلاً أم آجلاً، علماً أنّ مصادر في وزارة الدفاع الروسية كانت سرّبت معلومات مؤكّدة مفادها أنّ روسيا لا تخطّط في المدى المنظور لتوريد دفعات كبيرة من الأسلحة لسوريا، خوفاً من تأزّم الوضع وانعكاسه على حدّة المواجهات بين السلطة والمعارضة.
وبالتزامن مع التحوّل الحاصل في وسائل الإعلام الروسية في اتّجاه تغليب لغة العسكر، فإنّ غالبية وسائل الإعلام نفت عبر مصادر مختلفة المشارب ما تداولته بعض وسائل الإعلام العربية من أن تكون روسيا قد عرضت على الرئيس بشّار الأسد إجراء انتخابات رئاسية مبكّرة وأن لا يكون الأسد مرشّحاً فيها، ما يعني أنّ روسيا حاليّاً وفي ظلّ المشهد السوري المتأزّم ميدانياً وإقليميّا وعربيّا ودوليّا لا ترى أفقاً للحلّ السياسي، على رغم معارضتها للمشاريع العسكرية الغربية في مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتّحدة.
فما هي أسباب التحوّل الروسي من لغة السياسة إلى لغة العسكر في الأزمة السوريّة؟ مصدر مطّلع من معهد العلوم الاستراتيجية الروسية يرى لدى روسيا الكثير من الخبراء العسكريّين المُطّلعين على التركيبة السورية العسكرية والاجتماعية والسياسية، ولديهم القدرة على قراءة الأحداث الجارية هناك والتكهّن بما ستؤول إليه الأوضاع في هذا البلد، وقد أقلق إسقاط المروحية السورية صقور الكرملين لأنّ ذلك يشكّل بالدرجة الأولى تهديداً للآلة العسكرية الروسية، على اعتبار أنّ روسيا هي مصدر السلاح الأساسي للجيش السوري والمصدر الوحيد لسلاح الجوّ السوري، وبالتالي فإنّ إسقاط مروحية روسية الصنع في سوريا قد دفع بالخبراء العسكريّين إلى التوقّف جدّياً أمام هذا الحدث لأنّه قد يشكّل منعطفاً في المواجهات الحاصلة هناك، إضافة إلى ذلك فهو يُعتبر مؤشّراً على قدرة الآلة العسكرية الروسية.
ويرى المصدر أنّ الملف السوري بات على رأس سلّم أولويات السياسة الخارجية الروسية، وتزايد حدّة العنف في سوريا مقابل تراجع الحوار السياسي دفع بإدارة الكرملين إلى الإيعاز للخبراء العسكريّين بمحاولة قراءة السيناريوهات المحتملة في حال فشل الجهود السياسية لحلّ الأزمة، وذلك انطلاقاً من حرص روسيا على نهجها السياسي المتّبع في الأزمة السورية، فموسكو بحسب المصدر لم تعد ترى فرصاً للحوار بين المعارضة السورية وأركان النظام في دمشق، ما يعني أنّ سوريا ستشهد المزيد من الاضطرابات والعنف، وهذا يحتّم على موسكو اتّخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مواطنيها بالدرجة الأولى وقاعدتها العسكرية في طرطوس في الدرجة الثانية.
ويؤكّد المصدر أنّ روسيا لا تستطيع الضغط على النظام السوري في حال التوافق على تسوية دولية، فالنظام السوري يجد في إيران حليفاً أساسياً، إذ إنّ الجمهورية الإسلامية تمدّه بكلّ الإمكانات بهدف تمكينه من إعادة السيطرة على الأوضاع ميدانياً، وهذا تدركه روسيا جيّداً، لذلك فإنّ موسكو بموقفها تجاه الأزمة السورية تحاول أن تبقي على علاقاتها مع إيران لأنّها على قناعة أنّه في حال سقوط النظام السوري أمام الهجمة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وبدعم من الأنظمة العربية التي تدور في الفلك الأميركي، فإنّ الخطوة التالية ستكون باتّجاه طهران، وهذا ما يزيد من قوّة النفوذ الغربي في المنطقة، وبالتالي فإنّه لن تبقى مراكز نفوذ لروسيا في الشرق الأوسط في حال سقوط نظامي دمشق وطهران.