كتبت باسكال بطرس في صحيفة "الجمهورية":
حظر… فزراعة… فتلف… فزراعة وبيع… هذا هو المسار المتتابع لزراعة نبتة الحشيشة المخدّرة التي يتوارثها عدد كبير من العائلات والعشائر في منطقة بعلبك ـ الهرمل عبر الأجيال، والتي يرون فيها «السبيل الوحيد لتغطية النفقات الضرورية»، مشددين على أن «الدولة عاجزة عن الاقتراب من هذه النبتة لتلفها، أو عن تأمين زراعات بديلة. في حين أن تجارها الذين يتمتعون بـ«تغطية حزبية» يسرحون ويمرحون من دون حسيب أو رقيب».
على رغم صدور قرار بمنع زراعة المخدرات منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعدما كان لبنان ينتج منها نحو ألف طن سنوياً، إلّا أنها لا تزال الأولى على الساحة البقاعية، كونها الأكثر ملاءمة للزراعة في ظلّ الظروف المناخية وشحّ المياه، ما يضع مزارعيها أمام مواجهة سنوية مع القوى الأمنية في موسم التلف.
ويلفت المزارع جهاد إلى أن "الحشيشة أنواع: الزهرة، الكَبشة، وأجوَدها الـ"هَبُو"، وزهرَة "الكُولش". شارحاً "انّ عملية زراعة الحشيشة تبدأ من خلال زرع بذور "القنبز" في بداية شهر شباط، وفي أيلول يتمّ قطف العشبة وتجفيفها ثم تنظيفها. وفي أشهر الشتاء، يبدأ الكبس في معامل خاصة ابتدعها مصنّعو المخدرات، بعدما تتحوّل مادة تشبه الطين، وتسمّى كل قطعة من المخدرات "هُقَّة"، وتوضع في أكياس من الخام". ويؤكد جهاد أنّ "الدونم المصنّع جيّداً يُعطي "أوقَّة" من الزهرة أي نصف رطل، و"أوقَّتين" من الكَبشَة العادي"، مشيراً الى أنّ "زراعة ألف متر مربّع بنحو كيلو واحد من القنبز، تعطي ما بين 40 و50 كيلو من الحشيشة. ويتم تخزين مسحوق الحشيشة داخل أكياس من القطن أو الكتان، وبذلك يحتفظ بفاعليته أطول فتره ممكنة".
وكانت زراعة الحشيشة تدرّ على المزارعين أثناء الحرب الأهلية في لبنان، أي ما بين عامي 1975 و1990، ما يصِل إلى نحو ألف طن سنوياً، وما بين 30 و50 طنا من الأفيون الذي يستخدم في صنع الهيروين. وعلى رغم انه تمّ القضاء على هذا المحصول بين عامي 1991 و1993، لكنه يظهر دائما من جديد، وتحديدا بعد حرب تموز 2006، حيث استفحلت هذه الزراعة في مناطق زراعته بنحو غير مسبوق. حتى غَدَا لبنان، وفقاً للتقارير الصادرة المتعلقة بهذا الصدد، أحد البلدان التي تنتشر فيها تجارة المخدرات والسموم على نطاق واسع، في وقت تبذل قوات الأمن سنويا جهودا مضنية لتدمير هذه الزراعة قبل حصادها وتصنيعها، باستثناء بعض المناطق التي لا يمكن لها الوصول إليها من دون معركة، بسبب تحصّنها بالسلاح والنظام العشائري. علماً أن تعاطي الحشيشة يأتي في المرتبة الأولى في تعاطي المخدرات في لبنان.
تلف الحشيشة
وفي هذا الإطار، تحوّلت عمليّة تلف الحشيشة في البقاع في الشهر الماضي ساحة معركة وُجِّهت فيها نيران الأسلحة المتوسّطة والقذائف الصاروخية ومدفع هاون نصبه مجهولون في السلسلة الغربية من محور بوداي، الى القوى المشتركة من مكتب مكافحة المخدرات وقطعات قوى الأمن والجيش اللبناني، خلال متابعتها حملة التلف في المنطقة السهلية. وإلى جانب استخدام السلاح وإقفال الطرق، لم يتردّد بعض المزارعين في تهديد رئيس مكتب مكافحة المخدرات العقيد عادل مشموشي وعائلته مباشرة، إذا ما تواصل التلف. وتبدو القوى الأمنية وحيدة في مواجهة المخدرات ومزارعيها، إن لم نقل مروّجيها، وكأنّ المكافحة قضية أمنية، لا قرارات سياسية رسمية تدعمها أو تغطيها.
وفي المحصّلة، يفيد مكتب مكافحة المخدرات في قوى الأمن "الجمهورية" أنّ "القوى الأمنية أتلفت خلال هذه السنة أكثر من 6800 دونم من الأراضي المزروعة بالمخدرات، والمقدّرة ما بين 35000 إلى 40000 دونم.
كذلك تشير إحصاءات المكتب عينه الى انّ لبنان تمكن خلال العام 2011 من ضبط 140 كلغ من الحشيشة و66 كلغ من الكوكايين و204 كلغ بذر حشيش و499326 حبة من نوع "كابتاغون" المخدرة، فضلاً عن توقيف 1762 شخصاً من متعاطي المخدرات.
إستياء المزارعين
تسود حالة استنفار واستياء مزارعي الحشيشة في بعلبك الهرمل الذين يعتبرون أنفسهم ضحية الدولة. ويقول المزارع رامز لـ"الجمهورية": "إن زراعة الحشيشة ليست بمشكلة، بل هي نتيجة استهتار وإهمال دولتنا القائمة على تفوّق مناطق على أخرى، وعلى اعتبار أهل مناطق الأطراف تابعين لا مواطنين"، مطالباً "بتوفير البديل، قبل المسّ بزراعة كانت ولا زالت وستبقى، العامل الاقتصادي الوحيد لمنطقة تدفع ثمن فشل مشروع الدولة".
ويؤكد رامز "أنّنا لا نجني ثمناً يوفّر لنا حياة جيدة من زراعة القمح أو الشعير، ما دفعنا الى اللجوء الى زراعة حقول صغيرة من الحشيشة"، مشيراً إلى أنه "إذا تركتنا الدولة نزرع في سلام، فإنّ أزمتنا الزراعية ستنتهي". وإذ يقرّ بأنه ينتهك القانون، يقول: "إننا مضطرون لزراعة الحشيشة حتى لا ندخل في الديون، ونعود لنبيع أراضينا كي ندفع ديوننا"، محمّلاً "الحكومة والأمم المتحدة مسؤولية ما نقوم به، لعدم وفائهما بتعهّداتهما تجاهنا وتأمين الزراعات البديلة"، مشيراً الى "انّ الدولة لا تزور منطقتي بعلبك – الهرمل إلّا من خلال قواها الأمنية في إطار عمليات دهم واعتقال وتوقيف".
بدوره، لا ينكر "تامر" اضطراره الى مواجهة القوى الأمنية لردعها عن إتلاف "رزقه"، لافتاً الى "انّ الدولة لا تقدّم لنا شيئاً، ولا تدعمنا في زراعاتنا، فكيف لا أزرع الحشيشة ؟".
ويطمح حسن، وهو ربّ عائلة من خمسة أولاد، الى تحقيق مستوى معيشي أفضل من خلال زراعة الحشيشة، لافتاً الى "أن وضعنا المالي سيئ جداً، فأنا عاجز عن توفير العلاج اللازم لابني البكر المريض ويحتاج إلى أدوية كثيرة". ويضيف: "عندما أخبرت الطبيب والصيدلاني أنني عاودت زراعة الحشيشة، حصلت فوراً على قرض مالي وتمّت معالجة ابني بنحو ممتاز. هذا لأنّ الجميع يعلم تماماً أنني سأجني قريباً مالاً كثيراً من وراء ذلك".
ويقول أحمد: "لم يعد في إمكاننا في هذه المنطقة الفقيرة أن نتحمّل الوضع الاقتصادي المزري، فالأهالي يريدون تأمين قوتهم وتوفير العناية الصحية وتعليم أولادهم. الوعود شيء جيد لكن إذا لم تتم مساعدتهم فعلياً، فلن يكون أمامهم خيار آخر"، مشيراً إلى أن "زراعة الحشيشة سهلة ومكسبها وفير، فهي لا تحتاج الى شيء، وهذه هي لذتها". ويضيف: "أمّا العمل الحقيقي فيستمر لمدة شهرين بعد قطف المحصول، ويتمثّل في عملية تحضير النبتة وتجفيفها لكي تصبح جاهزة للاستهلاك".
ويتوقع علي أن يجني بعد بيعه المحصول بكامله مبلغ 40000 دولار أميركي، وهو ما يعتبر ثروة حقيقية في بلد مثل لبنان، حيث يبلغ متوسط الدخل الشهري فيه 600 دولار فقط".
إلّا أنّ من يزرع نبتة الحشيشة، ليس بالضرورة الشخص نفسه الذي يستخرج منها المادة المخدرة ويصنّعها. وبالتالي، فإنّ دخل هذا الأخير يفوق دخل المزارع، كما أنّ من يصنّعها يبيعها بدوره الى تجار متخصصين يروّجونها، وهم الرأس المدبّر والرابح الأكبر في هذه العملية كلها، ومنهم يحصل المزارعون أيضاً على بذور نبتة الحشيشة بأسعار "تشجيعية".
ويروي أحد المزارعين الخبراء في تهريب المخدرات لـ"الجمهورية"، كيف أنّ عمليات التهريب "كانت تتم بتواطؤ مسؤولين وشخصيات سياسية وحزبية بارزة، لقاء عمولات وسمسرات". ويقول: "لجأنا الى طرق مختلفة لتهريب الحشيشة، أبرزها من خلال وضعها في نبتة الملفوف. وكنّا نصدّرها مع كميات الخضار إلى الدول العربية، وكذلك عبر خزانات وقود السيارات، وفي المعلّبات"، موضحاً أنه "في حين يذهب جزء من الحشيشة إلى تركيا، يتمّ تهريب الجزء الأكبر إلى إسرائيل"، لافتاً الى أنه "على رغم الحراسة المشددة للحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية، إلّا أنّ هناك دائماً طرقاً متعددة لتهريب الحشيشة إلى داخل إسرائيل".
حسين جعفر
من جهته، يقول حسين جعفر لـ"الجمهورية" إنه تمّ التشهير به أخيراً عبر الإعلام، ونفيه من العشيرة على يَد "عصابة مرتزقة سوريين تضمّ 7 أفراد منشقّين عن عشيرة آل جعفر أو ما يُعرف بـ"سراي المقاومة"، على حد تعبيره. ويشير إلى أن حزب الله "يرفض أن يكون للعشائر دور بمعزل عنه"، ويتهمه بـ"رعاية" 50 تاجر مخدرات من البقاع، مشدداً على أن "هذه القضية باتت معروفة على نطاق واسع". ويشرح جعفر "انّ نحو 70 في المئة من مخدرات الحشيشة والهيرويين والكوكايين هي من إنتاج لبناني محلي وتزرع في المناطق البقاعية الواقعة تحت سيطرة حزبية. كما أنّ قسماً منها يُزرَع في مناطق الجنوب المحظّر دخولها على قوى الأمن اللبنانية، ثم يجري تكريرها في مصافٍ يديرها حزبيون يؤمنون عمليات توزيع 50 في المئة منها في لبنان"، مشيراً الى أنّهم "يحاولون نقل المُتبقّي إلى بعض الدول العربية والأوروبية، خصوصا إلى إسرائيل، لينقل منها إلى الخارج".
ويضيف: "هؤلاء هم تجّار مخدرات جعلوا أهالي المنطقة يدفعون ثمنا باهظا من فلذات أكبادهم، وهذا ما حصل مع ابني عباس الملقّب "عباس كاتيا"، الذي نسبوا إليه زوراً عددا كبيرا من الجرائم من خطف أبرياء وسرقة سيارات، وصولاً الى الاعتداء على القاعدة العسكرية"، مشدداً على أنّ "ابني بريء ولا علاقة له بمقتل العسكريين الأربعة، واتهامه بهذه المسألة يأتي في إطار الانتقام منّي، ولو أنه كان منتمياً الى "حزب الله" لما قُبض عليه، وفي المقابل فإنه إذ أثبت تورّطه بهذا الملف، أؤكد أنني سأكون أول المطالبين بإعدامه". سائلاً: "كيف لعباس أن يتورّط مع من حاولوا قتلي في السابق؟". وإذ يؤكد أنّ "هذه القضية هي التي دفعتني الى التعاون مع جميع الأجهزة الأمنية اللبنانية لمكافحة آفة المخدرات التي تدمّر البشر"، يطالب "برفع الغطاء عن جميع قطّاع الطرق وتجار المخدرات الذين يَتلطّون خلف بعض الرايات الحزبية".