الأربعاء الرّابع عشر من زمن العنصرة
قراءةٌ من وثائقِ المجمعِ المسكونيّ الفاتيكاني الثّاني إكرام العذراء (دستور عقائدي في الكنيسة، 66) إكرام العذراء
إِنَّ مريمَ الَّتي رَفِعَتْ بنعمةِ الله، بعد ٱبنها، فوقَ جميعِ الملائكةِ البشَر، أُمًّا لله قدوسة، وعاشتْ أَسرارَ المسيح، تُكرِّمَها الكنيسةُ بحقّ، إِكرامًا خاصًّا. وبٱلواقعِ قد لقَّبتها بأُمِّ الله منذ أَقدمِ الأَجيال، والمؤْمنونّ يلجأُونَ إِلى حمايتها، ضارعينَ إِليها في كلِّ مخاطرهِم وحاجاتهِم. لا سيَّما منذ المجمعِ الأَفسسيّ حيثُ عَرَفَ تكريمُ شعبِ اللهِ لمريمَ نموًّا غريبًا، تحتَ أَشكالِ الإِكرامِ والمحبَّةِ والتَّوسُّلِ إِليها والتَّشبُّهِ بها حسبَ كلماتِها النَّبويَّة "جميعُ الأَجيالِ تطوِّبُني، لأَنَّ القديرَ صنعَ بيَ العظائم"
وإِنْ كان هٰذا الإِكرامُ، في الكنيسة، يتَّسمُ بسِمةٍ فريدة، فإِنَّه يختلفُ إِختلافًا جوهريًّا عن السّجودِ الَّذي يُؤدَّى بٱلتّساوي، للكلمةِ المتجسدِ، وللآبِ، وللرُّوح القدس. والأَشكالُ التَّقويَّةُ المختلفةُ لتَكريمِ أُمِّ الله، الَّتي أَثبتتها الكنيسةُ ضمنَ حدودِ تعليمٍ صحيحٍ ومستقيم، مراعيةً ظروفَ الزَّمانِ والمكان، وميولَ الشُّعوبِ المؤْمنةَ ومناقبَهُم، حملتِ المؤْمنينَ، من خلالِ إِكرامهم للعذراءِ مريم، على معرفةِ الابن معرفةً حقَّة، وعل حبِّهِ وتمجيدِهِ وحفظِ وصاياه، هو الَّذي لأَجلِهِ خُلِقَ الجميع، ورضيَ الآبُ الأَزليُّ أَن يحلَّ فيهِ الملءُ كلُّهُ
الرّسالة: 1 يو 5: 1-12
1 كلّ من يؤمن أنّ يسوع هو المسيح يكون مولودًا من الله، وكلّ من يحبّ الوالد يحبّ المولود منه أيضًا.
2 وبهٰذا نعرف أنّنا نحبّ أولاد الله، إذا كنّا نحبّ الله ونعمل بوصاياه.
3 فهٰذه هي محبّة الله، أن نحفظ وصاياه، ووصاياه ليست بثقيلة؛
4 لأنّ كلّ مولود من الله يغلب العالم. والغلبة الّتي تغلب العالم إنّما هي إيماننا.
5 ومن الّذي يغلب العالم إلاّ الّذي يؤمن أنّ يسوع هو ٱبن الله؟
6 هٰذا هو الّذي أتى بٱلماء والدّم، إنّه يسوع المسيح، لا بٱلماء فحسب، بل بٱلماء والدّم أيضًا. والرّوح هو الّذي يشهد، لأنّ الرّوح هو الحقّ.
7 والّذين يشهدون في السّماء ثلاثة: الآب والكلمة والرّوح القدس، وهٰؤلاء الثّلاثة هم واحد.
8 والّذين يشهدون في الأرض ثلاثة: الرّوح والماء والدّم، وهٰؤلاء الثّلاثة هم في واحد.
9 إن كنّا نقبل شهادة النّاس، فشهادة الله أعظم، وهٰذه هي شهادة الله، أنّه شهد لابنه.
10 من يؤمن بٱبن الله فله في نفسه تلك الشّهادة. ومن لا يؤمن بٱلله فقد جعل الله كاذبًا، لأنّه لم يؤمن بٱلشّهادة الّتي شهدها الله لابنه.
11 وهٰذه هي الشّهادة، أنّ الله أعطانا الحياة الأبديّة، وهٰذه هي الحياة هي في ٱبنه.
12 من له الابن له الحياة. ومن ليس له ٱبن الله ليست له الحياة.
شرح آيات الرّسالة:
1-12 يعرض الرّسول في هٰذا المقطع أنّ أساس المحبّة والشّركة مع الله هو الإيمان (1-4)، وأساس الإيمان هو شهادة الله نفسه (5-9)، وبٱلإيمان بهٰذه الشّهادة يتعلّق خلاص الإنسان الأبديّ (10-12).
1 1 يو 1/3؛ 2/29؛ 4/7، 15؛ 1 بط 1/22-23.
إنّ تجسّد ٱبن الله وفداءَه العظيم قد ٱستحقّا لكلّ مؤمن نعمة التّبنّي لله الآب. فٱلمؤمن بٱبن الله يسوع المسيح يُصبح مع لله الآب ٱبنًا، يحبّ جميع إخوته المؤمنين أولاد الله.
2 روم 13/9.
أكّد لنا الرّسول في 4/20 أنّ محبّتنا الأخويّة هي مقياس محبّتنا لله. أمّا هنا فيؤكّد أنّ محبّتنا لله، وعملنا بوصاياه، هما مقياس محبّتنا الأخويّة، وهٰذا برهان على أنّ المحبّة الأخويّة هي من أصل إلٰهيّ، ذات بُعدَين أفقيّ بشريّ، وعاموديّ إلٰهيّ.
أولاد الله: لم يقل الرّسول "الإخوة"، ليشدّد على طّابع المحبّة الفائق الطّبيعة، النّابع من محبّة الله.
نعمل: في المجلّد الفاتيكانيّ، ومجلّدات صغرى وترجمات قديمة عدّة. وفي المجلّد السّينائيّ، ومجلّدات كبرى وصغرى "نحفظ" (5/3).
3 يو 14/15، 23، 24؛ 15/10؛ 1 يو 3/23؛ 2 يو 6؛ غل 5/14؛ تث 30/11؛ متّى 11/30.
4 1 يو 2/13-14؛ 4/4؛ يو 16/33؛ رؤ 12/11؛ 17/14.
تغلب العالم: راجع شرح 4/4. نلاحظ تشديدًا خاصًّا على فعل "ظفر" في الآيتين (4-5).
5 روم 8/37؛ 1 يو 4/4؛ 1 قور 15/57؛ أف 6/16.
6 يو 19/34؛ 15/26؛ 14/17؛ 15/26؛ 16/13؛ 1 يو 2/20، 27.
أتى: يعني هٰذا الفعل، في يوحنّا، التّجسّد في صورة شاملة، والعمل الخلاصيّ الكامل الّذي حقّقه ٱبن الله المتجسّد.
بٱلماء والدّم: في المجلّد الفاتيكانيّ ومجلّدات كبرى وصغرى وترجمات قديمة عدّة. وفي مجلّدات صغرى "بماء وروح" (يو 3/5). وفي المجلّد السّينائيّ والإسكندريّ ومجلّدات صغرى وترجمات قديمة "بماء ودم وروح". وفي أخرى "بروح ودم". وفي أخرى "بدم وروح قدس". يرى شرّاح أنّه ماء ودم سالا من جنب يسوع المصلوب: الماء رمز إلى عطيّة الخلاص، والدّم رمز إلى التّكفير؛ ومن ثَمّ الماء رمز إلى سرّ المعموديّة، والدّم إلى سرّ الإفخرستيّا (راجع شرح يو 19/34). ويرى آخرون إشارة إلى ماء العماد في الأردنّ، وإلى موت يسوع الدّامي على الصّليب، جوابًا للرّسول على الّذين يفصلون المسيح الإلٰه، الّذي ظهر على الأردنّ، عن يسوع الإنسان، الّذي مات على الصّليب (راجع شرح 4/3). إنّ يسوع نفسه هو المسيح وٱبن الله، الّذي تعمّد بٱلماء في الأردنّ، ومات بٱلدّم على الصّليب، وقام بٱلمجد الخالد، وصار للمؤمنين في الكنيسة والأسرار فداء وخلاصًا وحياة أبديّة.
الرّوح يشهد… الحقّ: يشهد الرّوح في قلب المؤمن فيُظهر له الحقيقة الخلاصيّة الكامنة في حدث المسيح التّاريخيّ، ويقوده إلى معرفة حقيقة المسيح الكاملة. والرّوح هو الحقّ، لأنّه يجعل حقيقة يسوع المسيح حاضرة وفاعلة في الكنيسة مدى العصور. (يو 15/26؛ 16/18-10، 13-15).
7-8 تُجمع المخطوطات اليونانيّة والتّرجمات القديمة على النّصّ، كما نقل أعلاه. ويُجمع الشّارحون أنّ القراءة الأخرى ناتجة من نصّ هامشيّ دخل على النّصّ الأصليّ، في ترجمة الفولكات، كما يلي: "7- إنّ الشّهود في السّماء ثلاثة: الآب والكلمة والرّوح القدس. 8- والشّهود في الأرض ثلاثة: الرّوح والماء والدّم، وللثّلاثة هدف واحد".
8 الثّلاثة هم في واحد: حرفيًّا "والثّلاثة هم نحو الشّيء الواحد" والشّيء الواحد هو الهدف الواحد، أي الشّهادة الواحدة ليسوع المسيح، الّذي أعطانا الآب فيه حياة أبديّة (5/11). إنّها شهادة متواصلة في حياة الكنيسة. علاوة على شهادة الرّوح القدس، شهادة الإيمان، في الكنيسة شهادة الماء الرّامز إلى سرّ العماد، والدّم الرّامز إلى سرّ الإفخرستيّا. بهٰؤلاء الشّهود الثّلاثة، وفق مقتضيات الشّريعة القديمة (تث 19/15؛ عد 35/30)، أيّد الآب ٱبنه، على عيون الخلق أجمع، وبرّره في الحكم التّاريخيّ الرّهيب، الّذي جعل المسيح والعالم على طرفَي نقيض.
9 يو 3/33؛ 5/34، 37؛ 8/18.
10 روم 8/16؛ غل 4/6؛ يو 5/24، 37، 40.
من لا يؤمن بٱلله: في المجلّد السّينائيّ والفاتيكانيّ ومجلّدات كبرى وصغرى وترجمات قديمة عدّة. في المجلّد الإسكندريّ ومجلّدات صغرى وترجمات قديمة أخرى "من لا يؤمن بٱلابن".
11 يو 3/36؛ 5/21، 26؛ 1 يو 5/20؛ يو 17/3.
12 يو 3/36.
له الابن… له الحياة: يستعمل يوحنّا غالبًا هٰذا التّعبير، ليدلّ على ٱمتلاك خيرات خلاصيّة: السّلام (يو 16/33)، الفرح (يو 17/13)، نور الحياة (يو 8/12)، حياة أبديّة (3/36)، الآب (1 يو 2/23)، الابن (5/12) …
الإنجيل
لو 16: 1-8
مثَل الوكيل الخائن
1 وقال أيضًا لتلاميذه: "كان رجُلٌ غنيٌّ لهُ وكيل. فوُشِيَ بهِ إليه أنّهُ يبدِّدُ مُقتنياته.
2 فدعاهُ وقال لهُ: ما هٰذا الّذي أسمعهُ عنكَ؟ أدِّ حِساب وكالتكَ، فلا يُمكنكَ بعدَ اليوم أن تكون وكيلًا.
3 فقال الوكيل في نفسهِ: ماذا أفعل؟ لأنَّ سيِّدي ينزعُ عنّي الوِكالة، وأنا لا أقوى على الفلاحة، وأخجلُ أن أستعطي!
4 قد عرفتُ ماذا أفعل، حتّى إذا عُزِلتُ من الوِكالة يقبلني النّاس في بيوتهم.
5 فدَعَا مديوني سيّده واحدًا فواحدًا وقال للأوَّل: كَم عليكَ لِسيِّدي؟
6 فقال: مئةُ برميلٍ من الزّيت. قال له الوكيل: إليكَ صكَّكَ! إِجلِس حالاً وٱكتُبْ: خمسين.
7 ثم قال للآخر: وأنتَ، كم عليكَ؟ فقال: مئة كيسٍ من القمح. فقال لهُ الوكيل: إليكَ صكَّكَ! وٱكتُبْ: ثمانين.
8 فمدَحَ السّيّد الوكيل الخائن، لأنّهُ تصرَّف بحكمة. فإنَّ أبناء هٰذا الدَّهر أكثر حكمةً من أبناء النّور في تعاملهم مع جيلهم.
شرح آيات الإنجيل:
الفصل 16 في هٰذا الفصل مَثَلان (1-9؛ 19-31)، وأقوال ليسوع مختلفة، وكلّها تتعلّق بٱستعمال المال. وتتناول الآيات (16-18) موضوعات مباينة، هي في غير إطارها الأصلي، الّذي يصعب تحديده.
9 أف 5/8؛ 1 تس 5/5؛ يو 8/12.
مدح: هل يبرّر السّيّد بمدحه خيانة وكيله؟ وكيف يرى يسوع في الوكيل الظّالم مثالاً لنا وقدوة؟ ما مدح السّيّد ويسوع على فعل الخيانة، بل على دهاء الوكيل في خروجه من مأزقه الصّعب. وحاول شرّاح أن يبرّروا مدح السّيّد على الوكيل ٱستنادًا إلى تقليد مألوف أيّام يسوع، وهو أنّ الوكيل ما كان يتقاضى أجرًا إلاّ ما يحصّله بدهائه من معاملات سيّده مع النّاس.، ويحسب ما تنازل عنه من الصّكوك تنازلاً عن مال كان يفكّر في ٱقتطاعه لنفسه فلا يبقى هٰذا التّنازل خيانة، وتنحصر الخيانة في تبديده مال سيّده (الآية 1).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة:(صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كلّيّة اللاّهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاّح بكرم الرّبّ.