أضافت الأزمة السورية (وهي مصطلح وسطي بين من يعتبرها ثورة، وهي كذلك، ومن يعتبرها مؤامرة خارجية) عنواناً خلافياً جديداً بين اللبنانيين الذين ينقسمون على عدد مهم من القضايا الجوهرية. فهم مختلفون على المحكمة الدولية، والخطة الدفاعية، والسلاح، وتركيبة النظام السياسي وشكله. وهم منقسمون على دور لبنان في الصراعات الإقليمية، خصوصاً حيال القضية الفلسطينية وعلى علاقاته الخارجية وتحديداً مع سوريا.
صحيح أنّ سياسة "النأي بالنفس" قد تكون شكلت متنفساً رسمياً لتفادي الانزلاق اللبناني إلى عمق الخلافات السورية – السورية، إلّا أنه لا يمكن فهم هذا المبدأ المبتدع لبنانياً على أنه تخاذل عن الاهتمام بالنازحين السوريين وتقديم الرعاية الإنسانية والإغاثة الطبية والاجتماعية اللازمة لهم، أو أنه السماح بتسليم الناشطين السياسيين السوريين الوافدين إلى لبنان هرباً من العنف الذي يمارسه النظام السوري.
باستطاعة لبنان الاستمرار في سياسة النأي بالنفس على المستوى الرسمي مع احتفاظ القوى السياسية اللبنانية طبعاً بحقّها في التعبير عن رأيها في مجريات الثورة السورية طالما أننا لا نزال نعيش في نظام ديموقراطي، حتى إشعار آخر. إلّا أن السياسة إيّاها، أي النأي بالنفس، لا تعني انحياز لبنان إلى النظام السوري في المحافل العربية والدولية.
قد تكون هذه الصيغة المبتدعة ملائمة مرحلياً للبنان الذي ليس من صالحه تنفيذ أهداف النظام السوري ومساعيه المتواصلة إلى نقل أزمته إلى داخل الأراضي اللبنانية، بما يحوّل الأنظار عن مجريات الثورة السورية وتضحياتها الهائلة، وبما يخفّف الضغط على الداخل السوري.
هذه المقاربة أساسيّة لتقطيع هذه المرحلة، ولإفشال المشاريع والمخططات المتتالية لدفع لبنان نحو الفتنة. فمن أحداث طرابلس وعكار، وتوقيف شادي المولوي، وصولاً إلى ما كان ينوي الوزير السابق ميشال سماحة تنفيذه، سلسلة متكاملة من الخطوات، قد لا تكون انتهت حلقاتها، خصوصاً مع عدم تسجيل النجاح، حتى الآن، في تحقيق أهدافها ومراميها الواضحة.
من هنا، فإن القوى اللبنانية الملتصقة بالنظام السوري حتى اللحظة، وعلى رغم معرفتها بتفاصيل ما يجري داخل سوريا من أعمال مشينة، مدعوّة إلى قراءة هادئة وموضوعية لموافقها بما يتلاءم مع متغيرات المرحلة وتحوّلاتها، وبما يصبّ في إطار سعيها إلى توسيع قاعدة التفاهم مع القوى السياسية اللبنانية الأخرى وفق مقتضيات المصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
إنّ الامتناع عن القيام بهذه الخطوة النقدية والمراجعة الذاتية لا يتلاءم مع أصول الممارسة السياسية الصحيحة، وقد يترك تداعيات في غاية السلبية بحقّ القوى التي ترفض القيام بها، لا سيما من زاوية فهمها لمستقبل لبنان في ضوء التحولات السورية، أو على مستوى استيعابها لشكل علاقاتها المقبلة مع سائر مكوّنات المجتمع السياسي اللبناني، وفقاً لنتائج تلك التحولات الإقليمية الكبرى.
المدرسة الواقعية في السياسة ترتكز إلى فهم المتغيرات، والتفاعل معها وفقاً للقدرات والإمكانات. لذلك، فإنّ ابتعاد بعض الأطراف السياسية اللبنانية عن اعتماد هذه المقاربة، والإصرار على تحالفات من وراء الحدود قد لا تتلاءم أهدافها مع المصلحة الوطنية العليا، لن يكون مفيداً في المدى المستقبلي المنظور، خصوصاً أن التجارب السابقة علّمت اللبنانيين، أو يفترض أن تكون علّمتهم، أنّ الإقصاء أو الإلغاء العسكري أو المعنوي أو السياسي لأيّ طرف آخر هو بمثابة مغامرة مستحيلة.
فهل من يَتّعِظ؟