«حزب الله» في ورطة. لن يسمح في إجراء الانتخابات ما لم يضمن الفوز بالأكثرية النيابية، وعدم ضمانه هذا الفوز سيدفعه إلى تعطيلها، وتعطيلُ الاستحقاق النيابي يعني إقفاله الطريق الرئاسية أمام حليفه العوني الذي بدأ ينظّم خروجه من التحالف معه.
إنّ مجرد التفكير بالتمديد لأيّ مؤسسة دستورية لا يجوز أن يكون مطروحاً في الأساس، لأنّ ضرب فكرة تداول السلطة يعني القضاء على الميزة التي تفرّد بها لبنان، فضلاً عن أنّ هذا البلد الذي طالما "سبح" عكس التيار السائد في المنطقة، من غير المسموح أن يواصل سباحته، إنّما هذه المرة في الاتّجاه المعاكس، فيما كان الرهان أن يشكّل بعث الديموقراطية في العالم العربي تحصيناً للديموقراطية في لبنان.
ومن هذا المنطلق، تتمسّك قوى 14 آذار بإجراء الانتخابات في مواعيدها ولا تتهاون حرصاً منها على الدستور والديموقراطية وميزات لبنان التفاضلية، وإصراراً على تأكيد أكثريتها وشعبيّتها وتثبيت أنّ وصول 8 آذار إلى السلطة كان بفعل انقلابي، ناهيك أنّ المناخات الشعبية باتت أكثر ميلاً لهذه القوى مقارنة مع استحقاق العام 2009.
ولكنّ التمسّك بإجراء الانتخابات شيء، والحؤول دون تعطيلها شيء آخر، إذ إنّ مبادرة التعطيل موجودة في يد "حزب الله" إن دستوريّاً بإجهاض التوافق على أيّ مشروع انتخابي، أو أمنيّاً عبر تشريع الفلتان الأمني من آل المقداد إلى طرابلس وما بينهما حوادث أمنية متنقلة. وأيّ متابعة لمجرى الأحداث تُظهر أنّ انتفاضة "حزب الله" التي تمظهرت بواسطة آل المقداد كان أحد أهدافها تذكير الجميع أنّ الحزب ما زال في استطاعته قلب الطاولة، وجاء ذلك ردّاً على تطوّر موقفي الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط.
كما أنّ المتابعة ذاتها تُظهر تمسّكاً غير محدود من قبل الحزب بالحكومة التي لن يسمح بإسقاطها ولو كلّف الأمر سبعين 7 أيار، كونها وسيلته الوحيدة للإمساك بمفاصل السلطة والاستمرار في موقع الفعل وعدم الإفساح في المجال أمام محاصرته.
وقد يعتبر البعض أنّ قوى 14 آذار مستفيدة من الواقع الحكومي من زاويتين: تحوّلها إلى أداة معطّلة بفعل الثلاثي الوسطي زائد الابتزاز العوني للحزب، وكونها تطمئن بشكل أو بآخر "حزب الله" بتعطيلها أي ردّ فعل أمني وعسكري يمكن أن يلجأ إليه.
ولكنّ مصلحة المعارضة تكمن في إسقاط الحكومة اليوم قبل الغد، وإفقاد الحزب هذه الورقة التي تجمّد الوضع اللبناني في لحظة ما قبل الثورة السورية، والأخطر هو إبقاؤه مجمّداً في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، وبالتالي فتح اللعبة السياسية شرطه الأساس نزع الورقة الحكومية من يد الحزب.
ولعل أكثر ما أزعج "حزب الله" مؤخّراً تمثّل في تموضع رئيس الجمهورية، هذا التموضع الذي شكّل خروجاً للمرة الأولى عن الوضعية التي أرستها دمشق بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض، خصوصاً أنّ الحزب، وقبله النظام السوري، لا يستطيع تحمّل موقف رئاسي ضدّه، كونه ينزع الشرعية عنه، هذه الشرعية التي احتمت خلفها دمشق تبريراً لوجود جيشها في لبنان، واندفع الحزب نحو الانقلاب الدستوري لتظليله شرعيّاً.
فالحزب لن يتخلّى عن الحكومة في لحظة إقليمية غير مؤاتية له، ولن يسمح بإجراء انتخابات تضطره إلى عدم الاعتراف بنتائجها والانقلاب عليها. ومن هنا، فإنّ المرجح تعطيله للاستحقاق النيابي، هذا التعطيل الذي يُتيح له استمرار حكومته والأوضاع على ما هي عليه.
ويبقى السؤال: هل التمديد النيابي ينسحب رئاسياً؟ بالتأكيد كلا، لأنّ "حزب الله" بات يريد التخلص من رئيس الجمهورية الذي أزعجه وأربكه وكشفه، وبالتالي لن يسمح بالتمديد، وسيعطي إشارات عن نيّته التعاون لانتخاب الخلَف تسهيلاً لإخراج سليمان، ولكنّه سيعمل في الواقع والحقيقة على الفراغ الرئاسي، أي إبقاء هذا الموقع فارغاً من شاغله بانتظار، ربما، "اتفاق دوحة" ما يتيح التوافق على الرئيس المقبل.
وينطلق "حزب الله" من اعتقاد راسخ أنّ التوازنات السياسية المحلية والخارجية بعد سقوط النظام السوري لن تسمح بانتخاب رئيس قريب من 8 آذار، وأنّ توجّه أي مرشح رئاسي سيكون بالحدّ الأدنى مشابهاً لسليمان اليوم، الأمر الذي يجعل موقع الرئاسة الأولى في مهبّ الفراغ القاتل وتداعياته على دور المسيحيين في تغييبهم عن الواجهة والفعل السياسي.
وإذا كانت الأنظار اتّجهت بالأمس إلى محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع نظراً للانقلاب الذي كانت أحدثته في المشهد السياسي لمصلحة 8 آذار وحرمت 14 من فرصة الاستفادة من سقوط النظام السوري تعزيزاً لمشروع الدولة، فإنّ الأنظار بدأت تتّجه أيضا إلى ما يُحاك ضدّ الرئاسة الأولى من محاولة اغتيال ستستهدفها في العام 2014 إذا ما عجزت عن استهداف سليمان قبل الاستحقاق الرئاسي.
رئاسة الجمهورية في خطر، لأنّه لطالما شكّل دور المسيحيين خطراً على القوى المتآمرة على سيادة لبنان واستقلاله.
