#adsense

ثبات جعجع وصلابته معمّدان بدم الشهداء

حجم الخط

 

كتب فؤاد ابو زيد في صحيفة "الديار":

 

منذ أيام الحرب في لبنان، والعيش اليومي في قسوتها ونهمها الدائم للدم والقتل والتدمير، وابتلاع حياة الشباب والأطفال والرجال والنساء، كان سؤال كبير يسكن تفكيري واهتمامي، خصوصاً عندما يسقط قيادي أو سياسي أو مسؤول، في حالات الضعف والتخاذل وتغيير المواقف، مقابل آخرين، لا يعرف الضعف والتخاذل سبيلاً الى ارادتهم، ويزداد تمسكهم بمواقفهم صلابة وعناداً، لا يثنيهم ا مر عن مواصلة ما عقدوا العزم عليه، وما اقسموا على الوصول اليه، دون خوف من قتل او سجن او تعذيب، ودونما اكتراث لترغيب او تهديد او اغراء بمنصب أو بمال. وكان الجواب عندي يومها، أن شخصية الانسان، وتربيته وايمانه بقضيته، هي التي تحدد قوة عزيمته وصلابته وتمسكه بمبادئه، وتحول بينه وبين وقوعه في الضعف والتجربة والتخاذل وتغيير المواقف، والابتعاد عن الحق والمنطق.

يوم السبت الماضي، كعادتي في كل سنة، شاركت في القداس الذي يقيمه حزب القوات اللبنانية لتكريم شهداء المقاومة اللبنانية، والصلاة لراحة أنفسهم، وشكرهم على التضحية بأرواحهم ليبقى لبنان، وطناً للحرية والكرامة والعنفوان، ورأيتني قبل بدء القداس مشدوداً الى حائط طويل تتدلى منه لوائح بأسماء الشهداء، فوقفت امامها بخشوع واحترام اقرأ أسماء لا ينتهي عدّها، لشباب بعمر الزهور والورود، علمت بالسؤال ان عددهم يتجاوز الخمسة عشر ألف شهيد الى العشرين الفاً، وهم يتوزعون على كل بلدة وقرية ومدينة، بعضهم ترك مدرسته وجامعته، وبعضهم ترك حقله او مصنعه وبعضهم ترك وظيفته، لأن «الخطر دقّ عَ البواب» ولأن الوطن قد يضيع، ولأن الكرامة والسيادة والحرية، قد تداس باقدام الغرباء. حملوا السلاح طوعاً، وأدركوا بغريزة البقاء التي عاشها اباؤهم واجدادهم منذ وجودهم على هذه الارض، الذي يعود الى الاف السنين، ان استمرار وجودهم ووجود عائلاتهم وكنيستهم، احراراً مرفوعي الرأس، يجب أن يعمّد بالدم والتضحية والشهادة، وهكذا كان، وسطّر هؤلاء الشبان الشهداء، وغيرهم العديد من الجرحى والمعوقين، بطولات في وجه المعتدين والطامعين والمحتّلين، اصبحت بعد توثيقها في العديد من الكتب، حكايات فخر واعتزاز، تتناقلها الاجيال، وترقى الى مستوى الاساطير الحقيقية.

* * * *
انتهى القداس الخاشع المتواضع، الذي قيل أن حوالى الف مدعو شاركوا فيه هذه السنة، لأسباب أمنية، والحقيقة أن أطياف جميع الشهداء المعلقة أسماؤهم في غابة معراب، شاركوا في القداس، ورتّلوا مع المرتلين وتناولوا القربان المقدس، واطلقوا بين الجموع تياراً غريباً من مجموعة مشاعر متناقضة، يختلط فيها فخر الشهادة، بحزن الفراق، والعزم على متابعة المسيرة، بتهيّب التضحيات التي لا بد منها ليبقى الوطن.

في تلك اللحظات، على اثر انتهاء الدكتور سمير جعجع رئىس حزب القوات اللبنانية من القاء كلمته الخالية من المهادنة، والتراجع عن المبادىء والمسلمات، والصلبة في وجه التآمر، والكاشفة لمخططات الشر، والمعرية للمواقف التخاذلية، والمنفتحة على كل آخر «يقول لبنان اولا»، اكتمل عندي الجواب، ان في طليعة الاسباب والعوامل التي تجعل القائد، عنيداً في الحق، صلباً في المواجهة، ثابتاً في المواقف، لا يلين في شدة، ولا يتراجع او «يسكع» امام جبروت، كما فعل جعجع طول مسيرته، هي اولاً انه كان مشروع شهيد اكثر من مرة، وثانياً، ان شباناً ابطالاً، استشهدوا معه وقربه او بين ذراعيه، وثالثاً، حرصه على استمرار شعلة المقاومة مضيئة، حرباً او سلماً، وعيشه الدائم هاجس تكريم الشهداء، وخشوعه امام شهادتهم.

هذه الثوابت، مع شخصية جعجع، وتربيته، وايمانه، جعلت منه قائداً، لا يمرّ مرور الكرام في وجدان حزبه وانصاره، وفي وجدان الشعب اللبناني.

المصدر:
الديار

خبر عاجل