منذ أن بدأ الحراك الشعبي التونسي، البحريني، الليبي وخصوصاً المصري، شعر العونيون بغبطة لا مثيل لها، لا بلّ رقصوا إحتفالاً على أنغام حزب الله الذي اعتبر وليّه الفقيه أن الربيع الآتي هو صحوة إسلامية.
لقد كان القادة "المخلوعون" بنظرهم، حلفاء للشيطان الأكبر، والشيطان هنا لا يتجسد في "أمريكا" (مع حذف الـ "ي"، تماهياً وذوباناً بمصطلحات الألة الإعلامية لـ"حزب الله")، "الشيطان الأكبر" اليوم هو الفريق المسيحي في " 14 آذار" وتحديداً "القوات اللبنانية" حيث إعتقدوا أنها تلقّت الضربة القاضية لحظة سقط نظام حليفها حسني مبارك، إلى أن بدأت الثورة في سوريا. سمير جعجع إحترم قرار الشعوب بمعزل عن علاقاته الشخصية مع بعض الحُكام، ميشال عون وقع في الفخّ، هلّل حيناً وضَلّل أحياناً فتحول "المتموّل" جعجع وفقاً للمنطق العوني من حليف الدكتاتور المصري إلى عرّاب حكم الإخوان، قبل أن يهلّلوا لرواية مزعومة "تآمر" فيها جعجع للإنقلاب على مرسي، في حين نأى الجنرال "الفقير" بنفسه عن المجازر المُرتكبة بحق الإنسانية في جسر الشغور ودرعا وبابا عمرو وحماه وأعزاز وداريا وغيرها من المدن، مكتفياً بالتبشير بثلثاء ميشال سماحة ومشاهدة الـ"Youtupssss".
تكفلت علاقة آل الأسد- آل عون بفضح كلّ "السلوغانات" التي إشتهر الجنرال في رميّها بخفّة تمسكاً بشعبوية هدفها الإنتقال من تسونامي إلى آخر ليقول للمسيحيين وأمامهم وعبرهم ومن خلالهم، للقادة والسادة وأصحاب الغبطة والسماحة والسيادة: أنا جنرال أنطاكية وسائر المشرق… والأمر لي.
وهذه العلاقة التي بدأت (ظاهرياً) كترجمة لما كان يقوله القائد المنفي بضرورة ولزوم فتح أفضل العلاقات مع سوريا بعد إنسحاب جيشها من لبنان… شكلياً، تترجمت المقولة وهذا ما حصل، أما الحقيقة فلا تمتّ لمسرحية الأطفال هذه بصِلة، ففي "ويكيليكس البيت الداخلي"، ثمة من يؤكد أن العلاقة بين عون والنظام السوري لم تنقطع يوماً، وهذه العلاقة المخفية عن الأغلبية الساحقة من أتباع عون، مرّت بعثرات وطلعات ونزلات كان أبرزها قرار رئيس الحكومة الإنتقالية الشهير، "تكسير رأس حافظ الأسد" الذي طبخ بالإتفاق مع الأميركيين إسم مخايل الضاهر لخلافة أمين الجميل، فتفجر الغضب الساطع قصفاً مدفعياً وحصاراً أليماً وخسارةً للصلاحيات بعد إتفاق الطائف، وإحتلالاً سورياً أنتج مذبحة بحق كتيبة كاملة من الجيش اللبناني البطل في بسوس وعاريا والكحالة وضهر الوحش حيث ما زالت أشجار الصنوبر تعبق بروائح البطولة.
وثمة من يجزم بأن "أفضل العلاقات" لم تأتِ بعد 26 نيسان 2005، تاريخ الإنسحاب العسكري السوري من لبنان ومن ثم الزيارة الأولى إلى دمشق، يومها فقط، خرجت من السرّ إلى العلن، لأنها لو لم تكن قائمة لما عاد "الكونغرس Man" عرّاب قانون محاسبة سوريا ومُلهِم الـ1559" من منفاه "سيداً، حراً، مستقلاً". فالعلاقات هذه، مرّت بمخاض لم يكن عسيراً، بعد الزيارات المكوكية التحضيرية التي قام بها بعض الرفاق القياديين إنطلاقاً من بعبدات (في منزل الرئيس لحود وبرعايته) مروراً بضاحية السيّد حسن وصولاً إلى المزة لإتمام إتفاق العودة مع ماهر الأسد، هذا الإتفاق الذي إستلزمت السرعة في إتمامه نقل الوسطاء – الرفاق بطوافة عسكرية من بيروت إلى الشام، ليحط أخيراً في مقر إقامة القائد المنفيّ في باريس حيث تم إطلاعه على نتائج المشاورات – الشروط، وافق العماد، فكان السابع من آيار 2005، وللتأكد من "حسن النوايا" أرسل العميد فايز كرم لوحده مُكرهاً وهو الذي غادر الأراضي اللبنانية هرباً من التهديد السوريّ وفي ظروفٍ قاسية، عن طريق جزين – إسرائيل…
من المحزن أن الأغلبية الساحقة من أتباع العماد عون تجهل هذه الوقائع، أما الباقون، مشكِكون ومضلِلون.
وهذه العلاقة المسمومة بين آل الأسد وآل عون لم تأتِ بأي فائدة للمسيحيين المُمثَلين بالجنرال في حين أعطته شخصياً حصة الأسد في الحل والربط وفي تصدر واجهة توقيت إسقاط الحكومات والدخول بعشرة وزراء ونيّف إلى جنة السُلطة، لتأتي النتيجة أكثر من كارثية على المسيحيين الذين شارك "إصلاحهم وتغييرهم" في التنكيل بما بقيّ للدولة من صورة وهيبة عبر نفي رخيص لرواية وجود معتقلين في السجون السورية ومن ثم التغطية الصامتة لعمليات الخطف وقطع الطرقات والإعتداء على الأملاك العامة والخاصة من طريق المطار مروراً بلاسا فترشيش وعشرات القرى والبلدات الجنوبية وغير الجنوبية، من ثم نقل العبوات اللاصقة وغير اللاصقة لزرعها وزرع الفتنة والرعب، ناهيك عن الإنتهاك اليومي للسيادة اللبنانية على الحدود وقصف القرى اللبنانية الحدودية وقتل إعلاميين ومدنيين أبرياء فيما "أهل السيادة" صامتون صمت القبور…
في كلّ هذه المعمعة، يقف سمير جعجع على المقلب الأخر غيرَ متفرجٍ على "المجازر" الأخلاقية التي يرتكبها "الجنرال"، مستفيداً من موقفه الأخلاقي من ربيع الشعوب ومثابراً على مواجهة خصمه وحزبه المُخلّع بمأسسة تنظيمية تظهر عند كلّ مناسبة. وهو بذلك، بدأ ينال إعجاب وتأييد غير القواتيين من المستقلّين والسياديين الأحرار الذين آمنوا بلبنان القوي الذي تجسّد يوماً بأذهانهم وأحلامهم بالشخصية المُرقّطة التي تظهّرت بشخصية ميشال عون، هذا الذي وعبر تغطيته للمخطط غير المنسجم مع المبادىء والقناعات ومن ثم غضّ طرفِه عن مجازر حليفه وصديقه العائلي بشار الأسد وعدم إحراجه في هذا التوقيت بالذات بملف اللبنانيين المعتقلين في سجونه، يكون قد دخل بوعيٍ تام في نفقٍ مظلم تستقبلك على مدخله يافطة كبيرة كُتب عليها باللون الارجواني: أقصر طريق سياسي إلى جهنم.