لعبوا بالنار… ولم يتعلموا!
عندما كسبت الولايات المتحدة الحرب الجهادية الاسلامية ضد الاتحاد السوفياتي في افغانستان في القرن الماضي وقدمت الى قادتها وفي مقدمهم اسامة بن لادن زعيم تنظيم "القاعدة" السلاح والخبرة والدعم السياسي والمعنوي لم تكن تعلم انها كانت تلعب بالنار. ذلك انها أحيت تياراً في العالم الاسلامي الكبير يؤمن بالعودة الى الجذور ويستعمل كل الوسائل لتحقيقها وفي مقدمها العنف. وعندما اصابها الجهاديون الاسلاميون في 11 ايلول 2001 في عقر دارها ادركت انها اخطأت وانها اطلقت حرباً عالمية لا يمكن ان تحقق الانتصار فيها في وقت قصير.
وعندما قدمت المملكة العربية السعودية دولة وشعبا المال الى جهاديي افغانستان ورعت الحركات السلفية والاصولية الاسلامية في اقطار عدة من العالم الثالث على اتساعه ودفعت حركة "الدعوة" في كل العالم الى اقصاها كانت تظن انها ستكسب استمرار دعم اميركا لها. وكانت تظن ايضاً انها ستحافظ على دعم العالم الاسلامي وخصوصا التيارات الدينية المتشددة فيه، الامر الذي يبقي نظامها في منأى عن الاخطار والمساءلة. وكانت تظن اخيرا انها ستنطلق من ذلك لتقود هذا العالم. لكنها لم تكن تدري انها كانت تلعب بالنار. ذلك ان الحركات الجهادية العابرة للدول والوطنيات والقوميات لم تكتف بالعمل في العالم الاوسع وخصوصاً بعدما بدأت تتعرض ومنذ اواخر القرن الماضي لحرب اميركية بل دولية شرسة اذ عادت الى الداخل الى مهد الاسلام متّهمة النظام الحاكم فيه بكل انواع المفاسد وراحت تعمل لتحريره منه ومن الوجود الأميركي.
لماذا هذا الكلام الآن على موضوع واحد "ورّط" دولتين احداهما الاعظم في العالم والثانية دولة كبرى في الشرق الاوسط رغم انه معروف من كل العالم؟
لأن الدول على ما يبدو تشبه البشر. فبعض هؤلاء لا يتعلم من تجارب غيره. وكذلك تفعل الدول. وآخر مثل حيّ على ذلك هو سوريا بشار الاسد. فهي حاولت الافادة من الاوضاع في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين فيه سواء للإنتقام من اميركا التي احتلته عام 2003 او لإلحاق الهزيمة بها في المنطقة او لإقناعها باعادة النظر في مواقفها السلبية منها وتالياً اعادة دورها الاقليمي الواسع اليها وتجديد التفويض اليها ادارة امور لبنان الذي أُخرجت منه عنوة عام 2005. وحاولت الافادة من ذلك ايضا لتوسيع القاعدة الشعبية الضيقة للنظام الحاكم فيها. طبعاً نجحت سوريا ربما موقتاً في ارباك اميركا في العراق. لكنها قد تكون الآن بدأت دفع ثمن هذا النجاح. فالجهاديون والمقاومون الكثيرون جدا الذين سهلت دخولهم العراق على مدى سنوات والذين أمدّتهم بالكثير من الدعم المتنوع التقت مصالحهم معها. لكن هناك استحالة لالتقاء استراتيجيتيهما. وقد تكون الآن بدأت تحصد المعنى السلبي ثمار الرهانات السابقة. ويعني ذلك في اختصار انها لعبت بالنار. وفي هذا الاطار يضع البعض التفجير الوحشي على طريق مطار دمشق الاسبوع الماضي والتفجيرات المتفرقة التي نفذت قبل ذلك، وهذا وضع قد يتطور رغم قوة النظام الامني السوري وسيطرته على مختلف مناحي الحياة في البلاد.
هل لعبت سوريا بالنار في أمكنة اخرى ايضاً؟
يقول الاميركيون والاسرائيليون وغيرهم كثيرون انها لعبت بالنار ايضا في لبنان اكثر من مرة ولا تزال. فحرب نهر البارد في رأي جهات محلية وعربية ودولية كثيرة من انتاج سوريا وعدم الاستقرار الامني والسياسي اللبناني هو ايضاً انعكاس لعدم رضاها عن الواقع اللبناني منذ 2005 ولرغبتها قلبه. وانتج ذلك حتى الآن على الاقل حربا بدأت رسميا على لبنان الدولة على لاوجودها، وتحديداً جيشها الذي يعاقب بسبب عدم هذا الوجود، وفتنة مذهبية اسلامية قد تتحول حربا وإن غير معلنة. ومن شأن ذلك تغذية التيارات الاسلامية الجهادية التكفيرية لدى السنّة وتوريط غالبية العالم العربي والاسلامي في حرب يمكن ان تطيح لبنان. لكن الخطر لن يقتصر عليه فقط. فالقواعد الجهادية والتكفيرية والاصولية وحتى السلفية سواء المؤمنة بالعنف او تلك التي ترفضه تعادي سوريا الحالية اي سوريا بشار الاسد وان استطاعت الافادة مخابراتياً من عناصر لها داخلها أو من التقاء موقت للمصالح معها. وذلك يعني ان تحوّل لبنان "او شماله" كما قال الرئيس الاسد قاعدة للتطرف وخطراً على سوريا قد يصبح صحيحاً في المستقبل. ولن يفيد في هذه الحال حشد الجيوش على الحدود مع لبنان، ولن يفيد ايضا دخوله عسكرياً على الطريقة التركية (في كردستان العراق) لأنه لا بد ان يعرّض سوريا لما تتعرض له تركيا من الجهات التي تضربها في العراق وخصوصاً في ظل الوجود تحت الارضي الذي ربما لم يعد تحت الارض للتيارات الاسلامية الاصولية التي تناصب النظام السوري العداء. وطبعا تعتقد سوريا، وربما هذا ما تعمل له، ان تضخيم الخطر الارهابي الاصولي التكفيري في لبنان لا بد ان يدفع المجتمع الدولي بزعامة اميركا الى تفويضها امر لبنان مجدداً وانها بقواتها وقوات حلفائها تستطيع ان توجّه ضربة قاضية إلى كل الذين يشكلون هذا الخطر. وقد يكون هذا الاعتقاد صحيحا. لكنه قد لا يكون صحيحا كذلك. اولا لأنه مطلوب من سوريا في مقابل ذلك كثير. فهل تستطيع تقديمه؟ وتالياً لأن سوريا لم تعد لاعباً وحيداً في لبنان بل هناك ايران الاسلامية من جهة والسعودية ومصر من جهة ثانية فضلاً عن اميركا. وليس اكيدا انها كلها مع عودة لبنان محمية سورية. وثالثاً لأن اسرائيل التي انزعجت حين خرجت سوريا من لبنان لن تقبل عودتها اليه وهي حليفة ايران و"حزب الله" و"حماس" وهي عدوة اميركا وهي المتورّطة في العراق.
فهل يريح ذلك اللبنانيين؟
قد يريحهم قليلا لكنه لا يلغي حقيقة ان اللعب بالنار يحصل في بلادهم وبواسطتهم، وسيستمر.